ليس الطالب وعاءً نملؤه بالمعلومات، بل هو نار نحتاج لقدح شرارتها فتشتعل، وإذا لمسنا البرود وعدم الاكتراث لدى الطالب، فإن الخطأ يكمن في عدم قدرتنا على إثارة الفضول لديه، لإشعال نار الفضول للتعلم، بحيث يزيد تركيزه، وينصت باهتمام، لأنه ينتظر شيئًا جديدًا، لا يعرفه، فالأصل في الأطفال أنهم فضوليون، يفتحون أعينهم على الدنيا، وفيهم رغبة غريزية في التعرف على كل ما حولهم، يديرون وجوههم وينصتون إذا سمعوا صوتًا جديدًا، ويفتحون أعينهم، إذا انتبهوا إلى وجود حركة بالقرب منهم، فإذا مات الفضول داخلهم، فإن العلة ليست فيهم.

لابد أن ينطلق الحماس من داخل الطفل، ويقتصر دور الوالدين على مساعدته على اكتشاف هذه القدرة في داخله، وغالبًا ما تؤدي الرقابة الصارمة، والتوقعات الزائدة عن الحد، وممارسة الضغوط على الطفل لتحقيق أعلى الدرجات، كلها تؤدي إلى نتائج عكسية، كذلك فإن الرفاهية المطلقة، وعدم السماح للطفل بالتجربة والتعلم من أخطائه، يحرمه من متعة الفرحة بقدرته على القيام بإنجاز بنفسه. كلنا يشاهد سعادة الطفل الذي يبني بيتًا من الرمال على الشاطئ، ويفخر بما استطاع أن يقوم به، وهي سعادة تفوق بكثير ما يشعر به إذا بنى له أبوه قلعة ضخمة من رمال الشاطئ، ثم قدمها للطفل جاهزة، ليلعب بها.

ويرى علماء النفس والتربية أن أفضل طريقة يتبعها الأهل في هذا المجال، هي (تقديم أقل قدر من المساعدة قدر الإمكان، والاكتفاء بالضروري منها فقط)، فإذا لم يتمكن الطفل مثلًا من حل الواجبات المدرسية بمفرده، فإن دور الوالدين أن يشرحا له المطلوب من السؤال، ويسترجعا معه المعلومات التي تعلمها، لكن لا ينبغي لهما أبدًا أن يقدما له الإجابة جاهزة، ليقتصر دوره على كتابة ما يمليان عليه، وحتى المساعدة في الشرح، يجب أن يسبقها التزام الطفل بألا يأتي في آخر لحظة، قبل الذهاب إلى المدرسة، بل لابد أن يعرف أن هناك التزامات، لابد من القيام بها في موعدها، وأن يتعلم تحمل المسؤولية عن أخطائه، لأن إنقاذه في هذا الموقف، قد يضره أكثر مما ينفعه، لأنه سيدرك حينئذ أن والديه، سيتحملان عنه المسؤولية، وسيجدان دومًا وسيلة لإنقاذه من الورطة، التي تسبب فيها بإهماله.

وبناء على ذلك فإن تعليم الطفل الاعتماد على النفس، لابد أن يبدأ منذ الصغر، فإذا اعتاد الطالب في المدرسة، أن يسجل المطلوب منه القيام به في البيت، وأن يؤدي هذه الواجبات بنفسه، فإن الدراسات العلمية تؤكد أن من يعمل من تلقاء نفسه، ودون ضغط خارجي، يتعلم بحماس داخلي، ويحقق نتائج أفضل، لأن الدوافع الداخلية تستمر لفترة أطول، وتجعل الطفل أكثر مثابرة وإصرارًا، وتزيد من قدرته على التركيز، بل ربما تتحول المذاكرة إلى عمل محبب إلى النفس، لأن نتائجها الإيجابية تظهر في اليوم التالي في الصف، وفي العلامات المرتفعة في الشهادة، فيدرك الطفل جدواها، ويقتنع بأهميتها.

طبعًا هناك من الأطفال من يدرس ويؤدي الواجبات المنزلية لإرضاء الأهل فقط، أو لأنه ينتظر مكافأة على ذلك، أو يخاف من عقاب ينتظره، لكن الدراسات العلمية تؤكد أن هذا النوع من التعلم والمذاكرة، يكون سطحيًا، ولا يؤدي إلى ترسيخ المعلومات في ذهن الطفل، وما أن يؤدي الطالب الواجب أو يجيب على أسئلة الاختبارات، تنمحي المعلومات من رأسه.

نصائح علمية

حتى يكون الحماس نابعًا من الطفل نفسه، لا يشجع علماء التربية ربط المكافأة في ذهنه دومًا بالهدايا المادية، مثل المال أو الحلويات أو الملابس أو جهاز جوال جديد، أو غير ذلك، بل يمكن أن تكون المكافأة أن يقوم أفراد الأسرة جميعًا برحلة أو نزهة، يقضون فيها وقتًا ممتعًا بعضهم مع بعض.

ولعل من أهم مفاتيح النجاح هو تحديد الأهداف الصحيحة، وهو الأمر الذي لا يمكن القيام به، إلا إذا كان الطفل والأهل قادرين على تقييم قدرات الطفل بصورة موضوعية، فلا يبالغون ويضعون أهدافًا غير قابلة للتحقيق، ولا يكتفون بأهداف دون قدراته بكثير، فيشعر بالملل، مع التأكيد على أن كل إنسان عنده جوانب قوة وجوانب ضعف، مواد يميل إليها ومواد لا يميل إليها، ولكن يمكن تعويض عدم الميل لمادة، بتخصيص وقت أطول لمذاكرتها، وإذا حصل الطالب مثلًا على تقدير ضعيف في مادة الرياضيات ثم تمكن من الارتقاء بالتقدير إلى متوسط، فإن ذلك يعتبر إنجازًا، يستحق عليه الثناء، على أن يستمر الجهد، لتحقيق المزيد من التقدم، الذي لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، ويشرح الوالدان للطفل بوضوح سبب سعادتهما، ويساعدانه على صياغة الهدف المقبل بنفسه، بحيث يكون التحدي نابعًا من داخله، لكن لا ضير من النقد في بعض الأحيان، إذا لزم الأمر، بشرط ألا يتضمن النيل من شخصه، أو التقليل من قدراته، أو التركيز على الدرجة، بل يسعى الوالدان لتحديد جوانب القصور، وطرق القضاء عليها.

ويمكن إدراك شعور الطفل بالتحدي من عدمه، وشعوره بالحماس الداخلي، إذا كانت فرص النجاح في المهمة، لا تزيد عن 50 في المائة، أي أن يدرك الطفل أن النتيجة ليست مضمونة، وأن الاجتهاد ضروري، وإلا لم يتمكن من تحقيق الهدف، وأن صعوبة الهدف، تتناسب طرديًا مع قدر السعادة التي سيشعر بها عند النجاح.

ونظرًا لأن الإنسان يتحرك بالمشاعر أكثر من العقل، فإن حماس الطفل يحتاج أحيانًا إلى أن يكون لديه (حلم) يسعى لتحقيقه، وهذا الحلم ليس مجرد علامة في الشهادة، بل شعور بالانتقال إلى مجموعة المتفوقين في الصف، وأن تتغير صورته لدى المعلم ولدى زملائه في الصف.

ولعل أسوأ ما يفعله الأهل أن يكونوا كثيري الشكوى، لا تعجبهم النتيجة مهما كانت، يطالبون الطفل دومًا بالمزيد من الجهد، وبعلامات أعلى، والبديل عن ذلك أن يلمس الطفل نتائج جهده بنفسه، لأن هذه التجارب الحياتية هي التي تترسخ في ذاكرته، طوال العمر.

كما ينبغي ألا تؤدي متابعة الأهل للطفل، إلى فرض حصار عليه، ومراقبته في كل حين، فيحسبون عليه أنفاسه وحركاته، لأن ذلك يجعله يفقد القدرة على تحمل المسؤولية، وعلى الاعتماد على نفسه، طالما أن الآخرين يفكرون له ويخططون له، ولا يستمعون إلى ما يريد القيام به، مما يحرمه القدرة على النمو والنضج الذهني والنفسي بطريقة سوية.

وإذا كانت الكثير من الدراسات العلمية تؤكد أن الطفل يتعلم أفضل، إذا ارتبط ذلك بشعوره بالسعادة، فإن توفير البيئة المريحة، والجو النفسي المناسب، يجعل خلايا المخ تعمل بطريقة أفضل، ويجعل التعلم أيسر، بل إن بعض العلماء يوصون الأهل بربط المذاكرة باللعب، مثل أن يتسابق الأب والطفل في حل المسألة الرياضية.

ولكن هذه الدراسات تنبه إلى أن هناك عوامل وراثية في جينات كل إنسان، تجعل بعض الأطفال أكثر حماسًا للمذاكرة من غيرهم، إلى جانب عوامل التربية والتنشئة في البيت والمدرسة، وقد دلت الفحوصات بالأشعة المقطعية أن هرمون السعادة في المخ، والذي يطلق عليه اسم (دوبامين)، هو المسؤول أيضًا عن الرغبة في التعلم، وأن هناك حوالي مليون خلية عصبية في المخ، تتولى إفراز هذا الهرمون، فإذا شعر الإنسان بالسعادة عند القيام بالتعلم مثلًا، فإنه يطلب المزيد منه، ويكون هذا هو الحماس للاستمرار في العمل.