إن قوة الرؤية هي قوة خارقة! لقد أثبت البحث أن الأطفال الذين لديهم "رؤية واضحة لمستقبلهم" هم الأكثر نجاحاً من الناحية الدراسية، كما أنهم الأقدر من سواهم على مواجهة تحديات الحياة. وإن المُنظمات التي لديها الشعور بالرسالة والهدف تتفوق على غيرها ممن لا تملك قوة مثل هذه الرؤية. يقول عالم الاجتماع الألماني فريد بولاك[1]: إنَّ العامل الأول في تحقيق النجاح في كل الحضارات كان "رؤية الشعوب الجماعية" للمستقبل الذي ينتظرها (1 صفحة 150). فلماذا علينا إيجاد الرؤية؟ لأن الرؤية تُعطينا طاقة عميقة ودائمة، ولأنها تصبح القوة الدافعة وراء كل قرار نتخذه، تصبح طابع حياتنا، وكأنها منسوجة في كياننا. فالرؤية هي الطاقة التي تجعل حياتنا مغامرة.



[1] Fred Polak

ويقول ستيفن كوفي: "إن الرؤية هي إطار الخيال المُبدع، والحافز الأول للسلوك الإنساني. إنها القدرة على الرؤية إلى ما بعد الواقع الآن، أي القدرة على أن نُبدع، ونخترع ما لمّا يُوجَد بعد، كي نصل إلى ما لمّا نصل إليه بعد، فهي القدرة على أن نعيش من خلال خيالنا بدلاً من أن نعيش من خلال ذكرياتنا".

 

 

 

جدول التفرقة بين الرسالة والرؤية

 

الرسالة

 

الرؤية

·   غير مُحدَّدة بهدف. مثال: "رسالتي أن أعلِّم الناس" فذلك شيء لا ينتهي، فأنت تُعلّم الناس طيلة حياتك كُلَّها.

 

·      اتجاه ليس له حسبة.

·      غاية.

·      تُحسّ وتُستشعر.

·      نوعيّة.

·   مقصد وهدف تصل إليه. مثال: "رؤيتي أن أكون مديراً".

·   شيء مُحدَّد ويجب أن ينتهي فبعد أن تكون مديراً تكون قد أنهيت مهمتك.

·      نتيجة تُقاس وتُحسَب.

·      وسيلة.

·      تُعد وتُقاس بالعقل.

·      كميّة.

 

الرسالة (mission) هي الإجابة عن السؤال: من أنا؟ وماذا أريد؟ ويحلو للبعض أن يسميها المهمة أو الدور وهي ما تود أن تسير عليه في الحياة، فتقول لشخص: (ما رسالتك في الحياة... أو ما دورك في الحياة... أو ما مَهمتك في هذه الحياة؟)، وهي التعبير عن شيء عام وطريق دائم[1].

 

الرؤية (vision) وهي الصورة الذهنية للمستقبل المنشود في مدة محدَّدة، أو هي النتيجة النهائية التي تسعى شخصياً إلى صنعها، والرؤية كلمة عامة للأهداف، بما أن الأهداف تنقسم إلى بعيدة المدى ومتوسطته وقصيرته، فالرؤية هي خطة قصيرة المدى أو متوسطته أو بعيدته[2].

 

سندرس معاً أثر الرؤية في حياتنا، وسنحاول معاً أن نطوّر رؤية قوية لنزرعها فينا. فللبعض منا رؤية محدودة لا تمتد إلى أكثر من نهاية اليوم، ومن ثمّ سيتصرف من منظور الحاضر والطارئ فقط دون أن يَعي ما لديه من خيارات أخرى، وسيتصرف على ضوء أولويات الآخرين، وليس بالضرورة على ضوء أولوياته. وهناك من لديه رؤية جزئية، كأن يركّز على حاجاته الاقتصادية ويتجاهل حاجاته الأخرى مما يؤدي به إلى أن يعيش حياةً لا توازن فيها.

 

والبعض الآخر تكون رؤيته انعكاساً للآخرين، حيث يتصرف على ضوء ما يتوقعه الآخرون منه، مما يؤدي إلى فقدان اتصاله بذاته من الداخل، وبتفرده، وبقدرته على العطاء. هل نحن مجرد انعكاس لما يقوله الآخرون لنا؟ قد يكون بعض ما يقولونه حَسَناً مثل: أنت ممتاز! أو أنت مُعلّم جيد! أو أنت مثال الوفاء أو ما شابه ذلك، ولكن قد يكون البعض الآخر سيئاً جداً (وما أكثره) مثل: أنت سيئ! أو أنت تنسى كل شيء بسرعة! أو أنت جبان! أو أنت مستهتر! ومهما كان ما يُقال لنا فهو يمنعنا من معرفة ذواتنا، ومعرفة رسالتنا في هذه الحياة.

 

الناس أربعة أنواع في الرسالة والرؤية

 

[3]:

 

 رسالة ورؤية:

 

فهؤلاء يعرفون مسارهم وتخصُّصهم فيه، ولديهم أهداف واضحة، فهؤلاء العظماء، المُؤثِّرون السعداء، الأقوياء، المُنتِجون، الواضحون، المقدامون، مَثَلُهم مَثَلُ الأنبياء والرسل، والقادة الذين غيّروا في أممهم ومجتمعاتهم، وأروع الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وسيرته ملأى بالمثل الصحيح والقويم ومن أروع القادة الإصلاحيين العُمَرَان: ابن الخطاب وابن عبد العزيز ([4]).

 

رسالة دون رؤية:

 

فهؤلاء يعرفون مسارهم لكن ليست لديهم خطة مكتوبة، فهؤلاء صالحون، نافعون، وقادة، ومربّون. وهؤلاء جيدون غير أنهم غير واضحين في تحقيق الرسالة. ليس لديهم خطة ومتابعة، وفيهم جمع كبير ربما الأكبر من المتدينين والشيوخ. فهم زينة الدنيا غير أن الكفار والمُفسدين بتخطيطهم ورؤيتهم أقوى، قال تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) (73 سورة الأنفال)، وهؤلاء غالباً يحقّقون السعادة دون النجاح.

 

رؤية دون رسالة:

 

هؤلاء يعرفون ما يريدون دون أن يُحدِّدوا مسار حياتهم، مثلهم مثل العاملين في مؤسسات هادفة، والتجار المُركّزين على تجاراتهم فقط من أجل المال والنجاح، وهؤلاء جيدون في الخطوط الثانية في سير الحياة، لكن غالباً ما يحقّقون النجاح ولا يحقّقون السعادة.

 

لا رسالة ولا رؤية:

 

فهؤلاء لا يعرفون مسارهم في الحياة ولا يعرفون ما يريدون، هم أنواع منهم الحائرون وعليهم تحديد مساراتهم، وتخطيط حياتهم، وهناك نوع غائب في معطيات الدنيا غائص في اللذات فحسب، حياته بحثٌ عن المتعة. والمتعة شيء جميل ومُحبَّب، ويجب أن تكون في يوميات كل إنسان سعيد، لكنها ليست غايته وليست هي مطلبه الوحيد. إن هناك كثيرين هَمَّهم اليومي التمتُّع، وأكثر كلماتهم (بدنا نروّق)، وأمثال ذلك في لهجتك الخاصة بك (20 صفحة 17).

 

فالرسالة ترتبط ارتباطاً ما بالسعادة، والرؤية ترتبط بالنجاح، ومن الأفضل الجمع ما بين الاثنين لتحقيق السعادة والنجاح معاً، وإذا كانت لديك رؤية ورسالة فقد يكون هذا القسم مؤنساً لك، ومهما كان تقصيرك من ناحية الرسالة أو الرؤية أو كلتيهما فإن فرانسيس بيكون يقول: "ها هو اختبار لمعرفة إذا ما كانت رسالتك على الأرض قد انتهت أم لا: فإذا ما كنت حياً فهي لم تنته".

 

يقول كونفوشيوس: "إذا أردت أن يكون المستقبل صفحة مفتوحة أمامك فعليك أولاً أن تدرس الماضي"، فإذا كنت تريد الانتقال من واقعك الحالي إلى تحقيق ما تريد، فسيكون ذلك بتشخيص الواقع وتحديد الطموح ومن ثم وضع خطة انتقالية، وتلك هي الاستراتيجية الصحيحة في التغيير.



 [1] الرسالة لغة: الواسع والشيء اللطيف أو الطفيف (القاموس المحيط للفيروز أبادي) والخطاب المُرسل إلى فرد أو جماعة. كتاب مشتمل على قليل من المسائل تكون في موضوع واحد (المعجم الوجيز لمجمع اللغة العربية).

[2]  الرؤية لغة: النظر بالعين وبالقلب. والرؤيا ما رأيته في المنام (القاموس المحيط) والرؤية، الإبصار، ومنه رؤية هلال رمضان لأول ليلة منه (المعجم الوجيز).

[3]  الدكتور صلاح الراشد.

[4] The 100 Most Influensive Persons in History by M. Hart.