لطالما تساءلت عن آثار العمليَّة التعليميَّة في أوطاننا في قولبة المُتعلِّم وإعاقة إمكاناته وقدراته عَنِ الإبداع، ومظهرٌ من مظاهر القولبة في النظام التعليمي الحالي وحتى في العالم الغربي هو التعامل مع الجنسين: الذكر والأنثى بمعايير ومقاييس تعليميَّة واحدة، في حين أنّ اختلاف وتباين الجنسين من ناحية البنية النفسيَّة والفيسيولوجية تقتضي بلورة مناهج تعليميَّة تلائم طبيعة وبنية كلٍّ منهما حتى يتأتى لنا أن نساعدهما على تحقيق ذواتهم وعلى القيام بمسؤولياتهم على أحسن وجه، مُتجنّبين بذلك الآثار السلبيَّة التي نشهدها في واقعنا على إثر مفهومي "المساواة" و"التساوي" بين الجنسين الذين تغلغلا في معظم الثقافات الإنسانيَّة الحاليَّة عوض مفهومي: "العدالة" و"التكامل".

 

مقالٌ أحببت أن أشارككم فيه، وهو يستمدُّ أهميته في إلقائه الضوء على هذا الموضوع الذي نستغفله ونهمله ومن ثم يُنقصُ من فعاليَّة العمليَّة التربويَّة في وقتنا الحاضر:

 

عرض: إي دجى ويكنسون

التربويَّة والمُتخصِّصة في قضايا المرأة "اي دجي ويكنسون" كتبت عرضًا مطولاً للكتاب الذي أصدره البروفيسور "جيمس تولي" أستاذ السياسات التربويَّة بجامعة نيوكاسل ابون تاين البريطانية، بعنوان "سوء تعليم المرأة" (The Miseducation of Women)، وتولّت "مجلة المعرفة" نشر هذا العرض، الذي يُؤكِّد على ضرورة التزامنا قيمنا الإسلاميَّة التي ينادي بها حكماء الغرب بعد أن أثبتت التجارب التأثير المدمر لقيمهم في الإنسان والمجتمع، ونحن بدورنا ننقل هذا العرض دون أي تدخل، لكنّنا نؤكد أنّ هذه ليست وجهة نظر مؤلف الكتاب فحسب بل إنّ كثيراً من الدراسات العلميَّة أكَّدت إخفاق هذا النوع من التعليم الملغي للفوارق بين الجنسين، وتصاعدت أصوات الأهالي الذين ساءتهم النتائج المروعة لاختلاط المراهقين في المدارس.

واستجابةً لتلك المطالبات المضادة ارتأت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش" عام (2002) تخصيص ميزانيةٍ كبيرةٍ تزيدُ على ثلاثمئة مليون دولار لتشجيع التعليم غير المختلط، وإنشاء مدارس خاصة بالبنين وأخرى خاصة بالبنات.

وأشار تقريرٌ صدر في أبريل الماضي عن وزارة التربية والتعليم الأمريكيَّة إلى أنّ عدد المدارس الحكوميَّة غير المختلطة بلغ (223) مدرسة بمُعدَّل زيادة سنوية قدره (300٪) وبلغ عدد الولايات التي تقدم تعليمًا غير مختلط (32) ولاية أمريكيَّة.

كما أنّ عدد المدارس غير المختلطة قد زاد في المملكة المتحدة خلال السنوات الأربع الماضية خمسة أضعاف عما كان عليه في بداية القرن الحالي.

 

 

اسم الكتاب: ســوء تعليــم النساء

المؤلف: البروفيسور جيمس تولي

عرض: إي دجي ويكنسون

عندما صدر كتاب البروفيسور جيمس تولي "سوء تعليم النساء" أوّل مرة عام (2002) في إنجلترا، تعرّض لانتقادٍ لاذع من الحركات النسويَّة في الإعلام المحلي والعالمي بسبب الأفكار التي أوردها فيه، لكنه في الوقت ذاته تلقى مئات من الرسائل التي تشكره على تأليفه هذا الكتاب، مما جعله يطرح التساؤل على نفسه: هل هو البعيد عن اهتمامات ومشاكل المرأة الحقيقية، أم أنّ رموز الحركات النسويَّة هُنّ البعيدات عنها؟

 

لا يمكننا بعد قراءة الواقع أن نَعُدُّ السياسات التعليميَّة في الولايات المتحدة الأمريكيَّة والدول التي تتبعها في هذه السياسات أنّها تصب في مصلحة المجتمع، وللأسف فإنّ الحركات النسويَّة التي وضعت تلك السياسات تتمتَّع بنفوذٍ قوي، فلا يحقّ لأحد أن يقترح غير ما تراه تلك السياسات، بل ويمنع حتى المستشار المهني مجرد الاقتراح على الشابة أن تختار الأمومة والحياة الأسريَّة بدلاً من الوظيفة.

 

لكنّني أقول وبكلّ وضوحٍ إنّه يجب علينا أن نضع في الحسبان الفوارق الطبيعيَّة بين الرجل والمرأة عند وضعنا للسياسات التعليميَّة، لأنّ اختلافهم حقيقة لا يمكن تجاهلها في الواقع، كذلك لا يمكن تجاهل رغبات الفتيات في الاشتغال بوظائف تناسبهن، والتي تختلف عن الوظائف التي يشغلها الرجال.

 

لقد استبدلنا بمجتمعٍ كانت فيه المرأة أُمّاً بكامل ساعات الدوام، مجتمعاً ينمو على قيمة الاستهلاك التجاري، ويخنق شوارعنا بالأمهات العاملات الراغبات في الاستقلال المادي وهنّ يأخذن أطفالهن إلى المدارس، هؤلاء الأطفال الذين ينشؤون مُدلّلين بشخصياتٍ غير سوية، غائصين في كمٍّ هائل من اللعب التي لا يرغبون في اللعب بها بقدر ما يرغبون في الاختلاء بأنفسهم في غرفهم ومشاهدة البرامج التلفزيونية السيئة دون رقابة من الأمهات اللاتي أقنعتهن الحركات النسويَّة بدونية الأمومة وأنها أمر دخيل، وبأنّ المرأة الناجحة هي تلك التي تستقل بنفسها فلا تكون عالةً على الرجل.

 

المرأة بين مشكلتين

في أواسط القرن العشرين طرحت الكاتبة النسويَّة الشهيرة بيتي فريدان (Betty Friedan) ما أسمته: "مشكلة ليس لها اسم"، قائلةً: "لقد ظلت المشكلة مدفونةً في عقول النساء الأمريكيات، ولم يتمّ الحديث عنها طيلة سنواتٍ عديدة، ولقد أحدثت اضطراباً غريباً وشعوراً بعدم الرّضا، اشتياقاً عانته النساء في أواسط القرن العشرين"، ثم أطلقت على هذه المشكلة عبارة "اللغز الأنثوي" لوصف ما تعرضت له المرأة في الستينيات من القرن العشرين، مضيفةً أنّ جوهر المشكلة هو منع النساء من النمو إلى كامل طاقتهن الإنسانيَّة، واقترحت أن يكون التعليم هو الحل لهذه المشكلة "الفخ" كما وصفتها.

 

لقد ظهرت الآن مشكلةٌ جديدة مضادةٌ تماماً لتلك السابقة لمّا يتوافر لها اسمٌ بعد، وإن كنا نستطيع أن نطلق عليها اسم: "متلازمة بريجيت جونز" (The Bridgette Jones Syndrome) وتعود هذه المشكلة إلى التعليم الذي تتلقاه الفتيات في المدارس، والذي يعد المسؤول الأول عن صياغة شخصياتهن وطريقة تفكيرهن ونظرتهن إلى الحياة حينما يتعلَّمن في المدرسة الاستقلالية والمساواة الكاملة بالأولاد، وأهمية الوظيفة في الحياة، في حين يفترض في التعليم أن يعطي كلاً من الفتاة والولد ما يناسبه من مفاهيم تناسب طبيعته لحل هذه المشكلة.

 

و"بريجيت جونز" التي سمّيت المتلازمة باسمها هي في الحقيقة شخصيَّة خياليَّة وجدت في عمود في صحيفة، تحول بعد ذلك إلى رواية رائجة، وأخيرًا إلى فلم سينمائي له شعبيَّة واسعة، وهي شخصيَّة ذكية في الثلاثين من العمر، ليست متزوجة، وليست سعيدةً ولا راضية عن حياتها، تستحوذ عليها وعلى صديقتها غير المتزوجات رغبةٌ شديدة جنونية في البحث لتكوين أسرةٍ وإنجاب أطفال، والعزاء الوحيد الذي تسلي به بريجيت" نفسها به هو اعتقادها بأنّها من جيل الرائدات اللاتي استطعن الاستقلال بأنفسهن، والتخلي عن الحب والأسرة، متمنياتٍ أن تكون الأمور أفضل حالاً بعد عشرين عامًا. وهكذا تشعر كل العاملات المصابات بـ "متلازمة بريجيت جونز"، بالرّغبة العارمة في إنجاب الأطفال والحاجة الملحة إلى تكوين أسرة.

 

إنّ النساء اللواتي هن الرموز البارزة في الحركة النسويَّة اللاتي أقنعن النساء بهجر بيوتهن والتخلي عن أسرهن في سبيل الاستقلال الذاتي والاقتصادي بدأن في مراجعة أنفسهن بسبب هذه المشكلة، فعلى سبيل المثال تقول "فريدان" التي تبعث على الإعجاب: إنّها وغيرها من النسوة كن يتخوفن من الاعتراف بما أسمته "الأعراض المحيّرة للألم"، أو مناقشة هذه الأعراض علنًا، إلا أنهن لم يستطعن الاستمرار في إنكار هذه الأعراض أو كتمانها، واضطررن إلى محاولة معرفة إذا ما كانت هذه الأعراض هي نتيجة خطأٍ ما، حتى يحاولن تغيير الوجهة قبل فوات الأوان.

 

الاستقلال وتحقيق النجاح المهني، تداعياتٌ ومشاكل

لا تكمن مشكلة تحقيق الاستقلال والنجاح المهني للمرأة في إصابتها بمتلازمة بريجيت جونز فحسبُ، فالاستقلال ذاته أفرز لنا مشاكل جديدةً أخرى لم تكن في الحسبان، مع أنّه لم يحقق السعادة.

 

تطالعنا الكاتبة النسويَّة الشهيرة "جرمين غرير" (Germaine Greer) في آخر مؤلفاتها "المرأة الكاملة" بحقيقة مفادها أنّ حياة المرأة أصبحت أكثر صعوبةً وليس العكس، وهو أمرٌ يدعو إلى السخرية، لأنّ الثورة الجنسيَّة التي ألهمتها ونفخت فيها الروح بأفكارها التي كانت ترفع شعار انتهاء زمن معاناة النساء والتمرد على العلاقات غير السعيدة، ورفض إنجاب الأطفال حين لا ترغب هي في ذلك، وكان يفترض مع تحقق هذه الأمور أن تنخفض نسبة القلق لدى النساء لأجل الاستقلال الذي حققنه، والحرية التي تمتعن بها بعيداً عن الزواج المستبد، إلّا أنّ الأمر في الواقع يزداد سوءاً، وقبل ثلاثين سنة قبل تطبيق أفكار الحركات النسويَّة في المدارس لم يكن هناك تقارير عن "عدوى الهلع"، ولا فقدان الشهية، ولا التمثيل الذاتي بأعضاء الجسم، أمّا الآن فإنّ صور المعاناة النسويَّة تحيط بنا من كل جانب، وتتالى الدراسات التي تثبت أنّ المرأة أقلُّ سعادةً ممّا كانت عليه قبل ثلاثين سنة.

 

السياسات التعليميَّة. والجندر

توصّل الباحثون في الولايات المتحدة الأمريكيَّة وبريطانيا إلى أنّ السياسات التعليميَّة القائمة على المساواة في النوع الاجتماعي "الجندر"، لا يحظى بأيّ نجاحٍ يُذكر لأنّه لم يستطع أن يقدم السعادة للمرأة.

 

المشكلة اليوم أنّه لا يوجد من يقول بوضوح أو يصرح بوضوح عن هذا، وأجد نفسي في مأزق بين مكانتي بصفتي أستاذ السياسيَّة التربويَّة في جامعة مرموقة تابعة لمجموعة راسل
(Russel Group) وبين ارتكابي للذّنب إذا سكت عن حقيقة وضع السياسة التعليميَّة الحاليَّة ومشاكلها، في حين أنّ آراء النساء اللاتي يناهضن أفكار الحركات النسويَّة تقابل بالتهميش وعدم التّقدير بل وأحيانًا الحجب على جميع المستويات، في المدارس والجامعات وإدارات التعليم ووسائل الإعلام.

 

قصة الإصلاحات التعليميَّة

ساد اعتقادٌ في السبعينيات أنّ المدارس تتبنى نظرة مجحفة عدائيّة للبنات، وأنّه يجب تغيير هذه النظرة لتكون أكثر عدالة وودية، في سبيل تعزيز النّوع الاجتماعي، وتبدأ نظريَّة النوع الاجتماعي بالاعتقاد أنّ التنشئة الاجتماعيَّة هي المسؤولة عن اتخاذ الرجال والنساء أدوارهم في الحياة بناءً على الصّورة النمطيَّة الثقافيَّة للرجولة والأنوثة، وبناءً على هذا فإنّ الثقافات السائدة هي التي يمكنها أن تحدث تغييراً في صورة "الأنثى" عن نفسها ودورها ومكانتها في المجتمع لتصل إلى مستوىً أفضل، ولتحقيق هذا التغيُّر إلى الأفضل، ينبغي تغيير الصورة النمطيَّة للرجولة والأنوثة، فقد قدم مشروع المنهج الدراسي الوطني لأول مرة، وتم إجراء إصلاحات تعليميَّة اعتبرت دراسة الطلاب والمُتعلِّمات لمواد مختلفة أمراً مخالفاً للقانون، وتم تقديم منهج دراسي إجباري موحد للطلاب والمُتعلِّمات، وصدرت عام (1972) قوانين مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكيَّة خاصة بالإصلاحات التعليميَّة تقوم على حظر تمييز النوع الاجتماعي "الجندر" في أي مُؤسَّسة تعليميَّة تتلقى الدعم من الحكومة الفيدرالية، علماً بأنّ كافة المدارس تقريباً تتلقى اعتماداتها الماليَّة من الحكومة الفيدرالية.

 

هل وصلت الإصلاحات إلى مبتغاها؟

الآن وبعد ثلاثين سنةً نجحت الحركات النسويَّة في فرض النوع الاجتماعي على المدارس، إلا أنّ الصورة النمطيَّة ما زالت قائمة، وذلك لأنّه كلما أعطيت البنات فرصة الاختيار فإنّهن يخترن المواد التقليديَّة ذات الطبيعة الأنثوية، ويؤيّد هذا ما ذكره كاتباً "إلغاء الفارق بين الجنسين"
(Closing the Gender Gab) من أنّ: "الإرث التاريخي لا يزال يحافظ على قبضته فيما يتعلَّق بالاختيار التعليمي، كلما أُتيحت لهم فرصة في اختيار المواد التي يرغبون في دراستها"، كما أنّ التقرير السنوي للجنة مساواة الفرص لعام (2000) تُؤكِّد هذه الحقيقة، فقد جاء فيه: "على مستويات الكفاءة لا تزال الصورة النمطيَّة الجنسيَّة سائدة كلّما أتيحت فرصة للاختيار.

وتعتقد الهيئات الرسميَّة في أمريكا وبريطانيا أنّ النساء سيعانين كثيراً من الوظائف ذات الأجور المتدنية التي ستتاح لهن، كما أنّ الاقتصاد سيتعرض لأزمة بسبب قلة القدرات التقنيَّة، والمشكلة الرئيسة في هذا هو المنهج الدراسي. ومما يزيد الطين بلة أنّه بدلاً من أن تقوم الهيئات الرسميَّة التي يشرف على إدارتها مؤيدو المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة بمحاولة استدراك الوضع، والاعتراف بالمشكلات التي أفرزها تطبيق نظريَّة النوع الاجتماعي "الجندر" في المدارس، بدلاً من ذلك فإنّها تُؤكِّد الحاجة إلى مزيد من الإصلاحات التعليميَّة لتحقيق المساواة التامة بين الطلاب والمُتعلِّمات في التعليم واختيارهم لمُقرَّرات المواد التعليميَّة.

 

استراتيجيات السياسة التعليميَّة، نظرة عن قرب:

لو نظرنا إلى استراتيجيات السياسة التعليميَّة في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لوجدنا أنّها تضع في حسبانها دور الطلاب والمُتعلِّمات في المجال الحكومي والسياسي والاقتصادي، بينما لا تضع في حسبانها البيت والأسرة، ونستطيع أن نلحظ في المُقرَّرات التعليميَّة ذلك، وقد أنتج لنا هذا واقعاً لنساءٍ يساهمن في الإنماء الاقتصادي على حساب البيت والأسرة.

 

وهنا يجب أن نقف عند ثلاث نقاط تحتويها هذه الاستراتيجيَّة:

  • قيمة الأسرة الحقيقيَّة ودورها في المجتمع وفي منح السعادة للنساء.
  • الصورة التي تقدمها الحركات النسويَّة عن عالم العمل والوظيفة هل هو حقيقي؟ وهل أُعطي العمل قيمة أكبر من قيمته؟ وهل قدم السعادة للنساء؟
  • هل تشجيع الفتيات على الاستقلالية سيكون له أثرٌ في طريقة تعامل الفتيان تجاههن؟

 

قيمة الحياة الأسريَّة، كيف هوت؟

تدّعي الحركات النسويَّة أنّ الحياة الأسريَّة ليس لها قيمة تذكر، وأنّها لا تمنح النساء السعادة، هذه الفكرة تعود ابتداءً إلى كاتبة فرنسيَّة هي "سيمون دي بفوار"، التي ألفت كتاب

"الجنس الثاني"، وادّعت فيه أنّ ربات البيوت غير منتجات، وبأنهن يعشن حياة "الطفيليات" يكن فيه عالةً على غيرهن، وأرجعت السبب في ذلك إلى مُؤسَّسة الزواج التي تحول النساء إلى "مخلوقات سامة" و"طفيليات"، والحل الذي قدمته سيمون هو أن تتحرر المرأة من قيود الزواج. ثم تبنّت هذا الرأي الكاتبة "بيتي فريدان" في كتابها الشهير "اللغز الأنثوي". ولو أردنا أن نرجع إلى السبب الحقيقي الذي لأجله تبنّت "سيمون" هذه الأفكار لوجدنا أنّها أفكار جاءت نتيجة لعلاقتها الغرامية الطويلة مع الفيلسوف الوجودي "جون بول سارتر" الذي كان يمقت الحياة الأسريَّة، وكان يكره فكرة أن يعتمد عليه أحد. وقد ذكرت "سيمون" في سيرتها الذاتيَّة كيف اتهمها عشيقها بأنّها مجرد ربة بيت، وكيف أنّها مقتت نفسها لأنّها خيبت أمله، ولو نظرنا إلى حقيقة أفكار "دي بفوار" لوجدنا أنّها كانت تقوم بعرض أفكار "سارتر" ذاتها المبغضة للنساء في كتابها "الجنس الثاني"، ولربّما اختلف التاريخ الفكري في القرن العشرين لو عشقت "دي بفوار" رجلاً آخر يمنحها ما تريد بوصفها امرأة، وليس "سارتر" الذي كانت تنشر ما يمليه عليها من أفكار للإبقاء على العلاقة معه.

ثم تتالت الكاتبات النسويات في اجترار أفكار "دي بفوار" حتى اليوم على الرغم من تراجع عدد من رموز هذه الحركة عن أفكارهن السابقة والتشكيك فيها والاعتراف بأنّهن كنَّ على خطأ.

 

الحياة الأسريَّة ونظرة النساء الحقيقيَّة إليها

ينبغي لنا أن نعيد قراءة واقع أفكار النساء الحقيقيَّة ونسبة تمثيل صوت الحركات النسويَّة فيه، ومن هي الشريحة التي تمثلها، علماً بأنّنا لو نظرنا بتجرد لوجدنا أنّ الحركة النسويَّة تمثل شريحةً ضئيلةً في المجتمع تعيش في ظلام أخلاقيٍّ دامس كما تعيشه رموز الحركة النسويَّة، أمّا بقية النساء فقد وجدن في حياتهن ما يغنيهن عن مثل تلك الأطروحات.

 

إنّ الكثير من النساء اليوم من مختلف المشارب السياسيَّة وقفن ضد الحركات النسويَّة في محاولة لاسترداد أدوارهن الأسريَّة. تقول غرير في كتابها "المرأة المدجنة": "كنت أصر في السابق على أنّه لا ينبغي عَدُّ الأمومة وظيفة بديلة، أما الآن فإنّي أصر على القول إنّه ينبغي عَدُّ الأمومة اختياراً وظيفياً حقيقياً"، إنّ كثيراً من مثل هؤلاء النساء يحاولن وضع أصواتهن جنباً إلى جنب مع النساء اللاتي حققن نجاحاً في مجال السياسة العامة باعتزاز ومساواة.

 

وفي هذه الظاهرة تقول دراسة حديثة بعنوان: "النساء في المزارع الجماعيَّة" لـ "مات ريدلي": "تم تحرير النساء من الاعتماد الاقتصادي على الرّجل وتربية الأطفال في سبيل المساواة، لكن الأمر المثير للسخرية أن هذه التجربة الطوباوية حولت النساء إلى مطالبات بحقوق الأمومة، فعاد عمال المزارع إلى ممارسة أدوارهم النمطيَّة.

 

ممّا سبق فإنّنا نستطيع القول إنّه إذا كانت الحياة الأسريَّة التي يراد للنساء أن تتحرر منها ليست هي الخيار الأكثر سوءاً بالنسبة إلى المرأة فإنّه ينبغي لنا أن نعيد الاعتراف بها والقيمة إليها، وعلى التعليم ابتداءً أن يعيد القيمة إلى الحياة الأسريَّة والاعتراف بها.

 

المرأة ورغبات أخرى

تقول الكاتبة "غرير": إنّ النساء لا يشعرن بالتعاسة في عالم الرجال لأنّهم لا يتيحون لهن فرص المنافسة الجيدة، لكن لأنّهن لا يردن أن يكن في ذلك المضمار، لكنّ النساء لا يكتشفن حقيقة تلك الرغبة إلا حين تمس كرامتهن.

وتُضيف: النّساء اللاتي لا يعددن المنافسة من صفات جنسهن الرئيسة، لا ينتزعن السلطة من الرّجال الذين يتميز عالمهم بهذه الصفة، بل إنّهن يتجهن إلى عالم أنثوي مع الأطفال، سواءٌ وجد قائد من الجنس الآخر أم لا على الرغم من أّنّ المجتمعات الإنسانيَّة المُتقدِّمة تعدُّ هذا الاتجاه عزلةً وضرباً من التخلف، إلا أنّ الاستبداد الذكوري هو الذي يدفعها إلى هذا الخيار. لكن تضيف "غرير": أنّه يجب علينا أن ننظر إلى هذا الخيار وهذه "العزلة" لكونها بديل يدعو للاحترام، وأنّه يجب على النساء اتخاذ قرار الخروج عن عالم الرجال بوعيٍ وثقةٍ لأنّ الخيارات المتاحة أمام المرأة إما "العزلة" وإمّا "الكرامة". وقد افتتحت "غرير" كتابها "المرأة الكاملة" بقولها:
"لقد تأملت حياة النساء اللاتي يعشن في المجتمعات المنعزلة، ورأيت أنّهن يتمتَّعن بالقوة في العديد من النواحي"، أعني بالمجتمعات المنعزلة تلك التي يكون فيها الخاص العام أقوى، بحيث تكتسب المرأة القوة والنفوذ كلما كبرت في السن، على العكس من مجتمعاتنا التي لا يرغب الرجال فيها إلا بالأصغر سنًا.

وقد تحدثت الكاتبة "نومي ولف" عن المجتمعات التقليديَّة في معرض حديثها عن اكتئاب ما بعد الولادة الذي أصابها، ووازنت بين الثقافة الأمريكيَّة وثقافة المجتمعات التقليديَّة فيما يتعلَّق بموضوع "ولادة المرأة" قائلة: إنّ الأم في المجتمعات التقليديَّة في هذا الظرف الصعب تكون محاطةً بالنساء لرعايتها، وهؤلاء يؤمن بمكانتهن العالية في المجتمع، أمّا في أمريكا فليس هناك أحد ما يشرف على رعاية الأم إذ الجميع منشغل بعالم الرجال والوظيفة التي أقنعهن المجتمع بأفضليتها على كل شيء، فوقعن فيما يشبه الإجبار الفكري.

 

إنّ هاتين الشهادتين من نسوةٍ شهيرات هي بمنزلة شهادةٍ على تأثُّر الحركة النسويَّة بصنفيها (نسويات المساواة ونسويات التحرر) بالمجتمعات التقليديَّة، والميل والانجذاب نحوها.

إنّ تباشير عودة النساء اليوم إلى الدور النمطي التقليدي مع كل الدعاية التي تقوم بها الحركات النسويَّة أمرٌ يدفعنا إلى القول إنّ اختيارات النّساء لا تعود إلى الدور الاجتماعي "بل إلى الفروقات الطبيعيَّة التي تدفع النساء إلى ذاك الاتجاه، لذا فإنّنا سنرتكب خطأ إذا ما حاولنا أن نغير هذا الأمر، تقول "غرير": "هناك أدلّةٌ كثيرةٌ تبيّن أنّه مهما تمت محاولة تربية الأطفال بكيفيَّة مُتحرِّرة عن الجندر إلا أنّهم سوف يختلقون الجندر من تلقاء أنفسهم".

 

"الاعتماد المتبادل" الرغبة الخفية عند كل من الرجل والمرأة

ترى الحركات النسويَّة السبب فيما يحدث من "أزمة الذكورة" هو عدم التزام الرجال الرؤى التقدُّمية تجاه النساء، فهم ما زالوا يرغبون في نموذج الأسرة التقليدي الذي كان سائداً في العصر الفيكتوري، وفي هذا السياق تتصور النسويات أنّ الرجال إنّما يرغبون في ذلك بناءً على أنّهم مستقلون وأحرار، ولكن الحقيقة ليست كذلك.

 

إنّ الرجال يرغبون في "الاعتماد المتبادل"، في إعالة زوجاتهم وأولادهم، كما ترغب النساء في رعايتهم والاعتناء بهم.

 

إنّ الفكرة التي يجب أن تقدم الآن خروجاً من كل التداعيات الخطرة التي أفرزتها الحركات النسويَّة هي فكرة "الاعتماد المتبادل".

لكنّ الاستقلال الذي أُتخمت به أفكار الشابات اليوم يدفعهن إلى رفض فكرة اعتزال عالم الرجل، ورفض فكرة "الاعتماد المتبادل" ممّا يوقعهن في مشكلة افتقاد الشيء نفسها والأهم في حياتهن، الاستقرار والسعادة وتحقيق الذات.

تقول فريدان في كتابها "المرحلة الثانية" إنّها وجدت الآن أنّ كافة العلاقات تقوم على الاعتماد المتبادل بين الرجل والمرأة، ومن مظاهر الاعتماد المتبادل استعداد المرأة التخلي عن وظيفتها والعيش اعتمادًا على وظيفة زوجها، وهذا ما ترفضه الحركات النسويَّة تماماً.


هذه الظّاهرة نستطيع أن نجدها في المجتمع بسهولة، فمثلاً السيدة "روز فريدمان" كانت تتمتَّع بالموهبة نفسها وذكاء زوجها "ميلتون فريدمان" قبل الزواج، لكنّها وبعد أن اقترنت به تخلت عن الوظيفة وتفرغت للأمومة، وقد كتبت في مذكراتها أنّ قرار التخلي عن وظيفتها لم يكن بسبب تمييز جنسي فُرض عليها، فأساتذتها الذكور هم الذين عرضوا عليها الوظيفة، لكنّ قرارها جاء نتيجة قناعتها بأنّ هناك أمراً أهم عليها القيام به، ثم وبعد عدة سنوات من تربية أطفالها بنفسها عادت إلى الوظيفة، لكنها لم تحرز النجاح الذي أحرزه زوجها، وحينما سئلت عن شعورها تجاه نجاح زوجها أجابت بأنّها لم تشعر بالمرارة إطلاقاً ولو مرةٍ واحدة، بل رأت أنّ نجاح زوجها هو نجاحها.

 

يجب علينا أن نغير نظرتنا إلى الصورة النمطيَّة، فليس هناك عيبٌ في اختيار "السيد والسيدة فريدمان" العيش بهذه الطريقة، كما لن يشين المجتمع عودته إلى العيش بهذه الطريقة، خلافاً لما تدعيه الحركة النسويَّة وتبثه في التعليم بأنّ كل طرائق العيش التي تخالف العيش باستقلال هي ضرب من ضروب "الرومانسية العاطفيَّة". لا أدّعي بأنّ كل النساء سيرغبن في الحياة "كالسيدة فريدمان"، فلكلِّ قاعدةٍ استثناء، والمجتمع السليم هو الذي يسمح بالاستثناءات، وليس ذاك الذي يحيله كله إلى أن يكون استثناءً.

 

تثير النسويات هنا إشكاليَّة في قضية العودة إلى الأدوار النمطيَّة، قائلات: إنّ الرجال لم يعودوا أولئك الذين يمكن الاعتماد عليهم في إعالة أسرهم. إنّ إعادة مثل هذه الصفات إلى الرجال لا يمكن أن تتم في ظل الإصلاحات التعليميَّة القائمة على فكرة "الجندر" والتي أحدثتها أولئك النسويات، فالكاتب "روجر سكراتن" يرى أنّ عدم إحساس الرجل بالرغبة في الإعالة، وأن يعتمد عليه أحد إنّما جاء نتيجة انهيار دورهم الاجتماعي كمعيلين وموفرين الرعاية والحماية للنساء، فالزواج في السابق كان يتضمَّن التزاماً دائماً وآمناً، يمنح النساء مكانةً اجتماعيَّة لائقة وحمايةً منيعةً حتى بعد مضي سنّ الزهور وذبول جاذبيتهن الجنسيَّة، وكان يمنح النساء مكاناً طبيعياً للسيادة، لقد كان الرّجال والنساء في ذاك الحين يحترم بعضهم مجالات البعض الآخر، ويؤمنون بأنّه على كلّ طرفٍ التنازل عن بعض الأمور ليحققوا المصالح المشتركة، غير أنّ ما أفسد هذا الاستقرار هو الثّورة الجنسيَّة التي أجازت للرجل الممارسات الجنسيَّة غير الشرعيَّة، ولم تمنعه من الزواج الأحادي المتكرر الذي يعني استغلال المرأة في سنوات شبابها والتمتع بها، ثم التخلي عنها بحثًاً عن امرأةٍ تفوقها شباباً ونضارةً، فنتج عن ذلك وضع حُرمت فيه المرأة من الأمان والاستقرار والرعاية الكاملة، وهذا الوضع دفع نسبةً كبيرةً من النساء إلى التقليل من شأن الحياة الأسريَّة، بل واحتقارها، وقد نشأ في هذه الظروف ما يسمى "الطلاق الذي لا يلام فيه أحد"، هذا الطلاق تقول عنه "ميلاني فيليبس": إنّه انتشر مع موجة الأفكار النسويَّة وهو يحط من قيمة الزواج بصورةٍ يكون فيها الزّواج أهون من شراء سيارةٍ مستعملة، حين يتم التخلي عن كل تعهدات الحياة الزوجية دون أيّ سببٍ مقبولٍ أو تسويغٍ معقولٍ.

لقد أسهمت الثورة الجنسيَّة بلا شك في غرس فكرة الاستقلال عند الفتيات، مما أدى إلى زعزعة فكرة الاعتماد المتبادل عند الرجال والنساء على حد سواء.

 

الوظيفة ومُخرجات دعايات الحركة النسويَّة:

تتعلّم الفتيات في المدارس أنّ تحصيل السّعادة هو في الدخول في عالم السياسة والأعمال والرياضة والعلوم وليس في عالم البيت والحياة الأسريَّة، فتتخرج الفتاة وهي لا تسمع سوى هذا الرأي مع أنّه يوجد أصوات معارضة لكنها صامتة.

 

وفي مخرجات هذا الرأي قامت الكاتبة "كارولاين غراغليا"، في كتابها السكون المنزلي بتصنيف النساء في ثلاثة أصناف:

  1. الصنف الأول: صنف يكرسن حياتهن للوظيفة لعدم رغبتهن في الزواج أو عدم قدرتهن على ذلك.
  2. الصنف الثاني: يتزوجن وينجبن الأطفال، لكنهن يتخلين عن رعايتهم، ويتركن هذا الأمر لغيرهن في سبيل الوظيفة والمنفعة الشخصيَّة، وشبّهتهن في تصرفهن بالطبقة الأرستقراطية القديمة.
  3. الصنف الثالث: يتزوجن جاعلاتٍ الحياة الأسريَّة هي وظيفتهن الأولى، مكرسات أنفسهن للزواج والأمومة.

 

تضيف "غراغليا" أنّ هذه الأصناف الثلاثة كانت موجودة ومتعايشة قبل فترة الستينيات، لكنّ الحقبة التي تلت ذلك حصرت سعادة النساء ونجاحهن في عالم الوظيفة وتحقيق الذات في عالم الرجال. لقد كانت المرأة قبل الستينيات تختار البقاء في البيت مع وجود فرص عمل وحرية اختيار خلافًا لما تدعيه الحركات النسويَّة التي تقول إنّ عدم خروج المرأة في تلك الفترة كان نتيجة عدم وجود حرية في الاختيار، وكان المجتمع يحترم هذا الاختيار، ويُعَدُّ بقاء المرأة في بيتها عملاً ثميناً، لكنّ الحركات النسويَّة شوّهت النظرة إلى ربّة المنزل، ممّا جعل المرأة تتعرض لضغوطات "فكريَّة ونفسيَّة" تحت واقع دعاية الحركات النسويَّة التي قيدت المرأة في اختياراتها دافعةً إيّاها إلى اتجاه العمل مع الرجل، بعد أن كانت حرة في أن تختار ما يناسب طبيعتها.

 

الوظيفة طبقية جديدة في عالم النساء:

يشير إليها كتاب "إلغاء الفارق بين الجنسين" لواقع ظالم جديد وصفه بـ"طبقية" جديدة في عالم النساء المُتحرِّرات، ففي الوقت الذي تتحدَّث فيه رموز الحركة النسويَّة عن رضاهن بالتغيير الذي حققته الفتيات على صعيد التخلي عن الحياة الأسريَّة والدخول إلى عالم العمل، وتحقيق الاستقلال عن الرجل، فإنّه في الواقع ليس في إمكان هؤلاء الفتيات من بنات الطبقة العاملة الحصول على وظائف كالتي تحتلها رموز الحركة النسويَّة المحرِرات، كالتعليم العالي وغيرها.

 

لقد أثبت الواقع للنساء العاملات خصوصاً العاملات في "وظائف مهنيَّة" أنّ وعود التحرر لم تكن مُجزية، بل هي في كثيرٍ من الأحيان مخيبةً للآمال. وبدأن منذ عام (1981) في التّشكيك في مزايا المساواة التامة بين الجنسين، وقد تحدثت الكاتبة النسويَّة الشهيرة فريدان عن ذلك، وروت قصصاً واقعيَّة لنساءٍ شعرن بخيبة الأمل بعد أن اكتشفن أنّ وظائفهن "الناجحة" لا تعدو أن تكون أعمالًا حقيرة غير منزليَّة. يجب علينا أن نطرح السؤال الأهم من جديد: هل عالم الرجال هو عالم ساحر فعلاً كما يدعون؟

في هذا السياق تطرح النسويات فكرة أنّ اقتحام المرأة لعالم الرجال سيغير جوّ العمل ليغدو "أنثويًا"، مما يحسن أوضاع العمل للنساء، ومن ثم سيتحسن وضع النساء ككل، إلا أنّ الواقع لم يثبت شيئًا مما قالوا.

 

"التقويم الأنثوي" معنى ضاع في غمرة الإصلاحات

لم تنتبه النسويات في غمرة "إصلاحاتهن التعليميَّة" التي تقوم على مبدأ المساواة الكاملة بين الجنسين في الدراسة وحتى السلوك لنتيجة الإخفاق التي ستؤدي إليها هذه الفكرة، فالمساواة الكاملة بين الجنسين لن تعطي أياً منهما نجاحاً، فمن جهة سيكون القضاء على كل ما هو ذكوري في المدرسة أمراً مزعجاً ومقلقاً للأولاد، ومن جهةٍ أخرى فإنّ الفتيات سيفقدن خاصيتهن في التقويم الأخلاقي للسلوك الذكري، يقول "ميلر": "إنّ معظم الأشياء التي نقدرها في المجتمع مثل الفنون والفضيلة واللّغة هي نتيجة التقويم الأنثوي للسلوك الذكوري" هذه الفكرة نستطيع ملاحظتها في واقع التعليم التقليدي بكل سهولة، لأنّنا نجد البنات هنّ اللاتي يطلبن السلوك الحسن من الأولاد، وهنّ اللاتي يستنكرن عدم الانضباط وأعمال التخريب التي يقومون بها، كذلك نجدهن يحثون الأولاد على الاستذكار واستغلال أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة، يقول المُفكِّر كريستوفر "لاش": "إنّ النسويات في القرن التاسع عشر أدركن أنّ النساء يمثلن قوات الفضيلة المُنظَّمة في المجتمع التقليدي، لتنظيم سلوك الرجل". أمّا اليوم فلم تعد الفتيات مُنظَّمات لسلوك الرجل، بل على العكس تماماً أصبحن عدوانيات وتنافسيات كالأولاد بسبب التركيز عليهن في قضية المساواة، ونستطيع أن نقول إنّه نشأت ظاهرة "قوة البنات" كنتيجة لأفكار الحركات النسويَّة، وهو ما أكَّدته غرير في كتابها، مضيفة أنّ أبرز سمات هذه الظاهرة: "جعل كل الأشياء تجارية وقائمة على الربح المادي"، وتقول: "تتسم الثورات التي تمتد فترات طويلة ببدايات خاطئة، ومراحل متعرجة وطرائق مسدودةٍ، لن يكتشف أنّها كذلك إلا بعد تجربتها، ومن ثم يعثر على الطريق الصحيح النافذ، ومن الطرائق المسدودة التي وصلت إليها الحركات النسويَّة ظاهرة "البنات الفاسدات"، وهو وإن كان سلسة ممارسات فوضوية تبدأ بشرب الخمر والممارسات الجنسيَّة العرضية والأمراض التناسلية والحمل غير المرغوب فيه، والتي تكون قصيرة الأمد في حياة الفتاة إلا أنّها تتحمل نتائج هذه الممارسات طول حياتها، هذا مع ارتباط هذه الظاهرة الثقافيَّة بمُعدَّل العمر القصير الذي يعشنه، والذي ينقص عاماً بعد عام. وقد أطلق على الفتيات اللاتي يتصرَّفن بفظاظة مثل الأولاد "رموز نسويات المساواة"، وعددهن في ازدياد، حتى أنّ الخط الساخن لمساعدة الأطفال سجل في عام ونصف حتى مارس (1998) زيادةً بنسبة (55%) في المكالمات التي تشتكي من اعتداء فتيات أخريات عليهن، وقد عزا بعض المراقبين انتشار هذه الظاهرة السلبيَّة (الفتيات الفاسدات) إلى "سبايس غيرلز"، الفرقة الموسيقيَّة النسائية المشهورة، وإلى المجلات الموجهة للفتيات المراهقات، فهنّ يتعلَّمن هذا السلوك القذر البغيض من خلال الإيحاء لهن بأنّ الحياة الحقيقيَّة هي تلك التي لا تخضع لأي قيود ابتداءً من الأكل غير المنظم، وشرب الخمر وتعاطي المخدرات والممارسات الجنسيَّة العرضية غير المضبوطة.

 

"الجندر" إعادة نظر

تقوم مفاهيم ورؤى الحركات النسويَّة ككل على قضية "الدور الاجتماعي"، وكل الإصلاحات التعليميَّة التي تعرضنا لمخرجاتها إنّما هي تطبيقات لهذه النظريَّة مما يدفعنا إلى أن نفرد لهذا الموضوع جزءاً كبيراً للتحدث عنه ولنستطيع فهم إشكاليات هذه القضية، ومن ثم حلها.

تقول النسويات إنّ المجتمع هو الذي يحدد أدوار المرأة والرجل منذ صغرهما في "صورة نمطيَّة"، فيلحق الظلم بالمرأة بممارسة السلطة عليها من قِبَلِ الرجل في نظام نستطيع أن نطلق عليه اسم "النظام الأبوي"، ويضطهد المرأة في كل ميادين الحياة. هذا الاضطهاد نستطيع إزالته بتغيير "الصورة النمطيَّة" والمساواة بين الرجل والمرأة، ونستطيع منح المرأة هذه المساواة بتغيير الدور الاجتماعي لكل من الرجل والمرأة منذ صغرهما، هذا هو إجمال ما تراه النسويات في قضية المرأة.

 

"الصورة النمطيَّة" بين "الدور الاجتماعي" والطبيعة البيولوجيَّة:

تخطئ النسويات في تصوُّراتهن حين يتجاهلن الفروق البيولوجيَّة الفطريَّة لدى كل من الجنسين، فهذه الفروق تفرض على الجنسين الاتجاه إلى مجالات مختلفة في الحياة لتحقيق السّعادة والرضا الداخلي، لذا فإنّنا في حاجةٍ ماسةٍ إلى دراسة هذه الفروق ومعرفة تأثيرها في كل من الجنسين، لتحديد السبب في اختلاف الاتجاهات بينهما، وينبغي لنا أن نخص بالدراسة تعاسة النساء حين ينتقلن من مجال يجدن فيه سعادتهن، إلى مكانٍ لا يتوافر لهن فيه شيء منها.

 

لقد حاول الباحث "كريس وود هيد" في بحثه المقدم إلى هيئة التفتيش على المدارس (أوفستيد) والذي حمل عنوان: "البحث الجديد لمفهوم الجندر والأداء التعليمي" القول إنّ الإجماع ثابت على أنّه: "لا يحتمل أنّ الفروق البيولوجيَّة توفر تعليلاتٍ كافيةً لاختلافات الجندر في الأداء الأكاديمي". والغريب في هذا البحث أنّ الباحث اعتمد على مرجعٍ واحدٍ حتى وصل إلى هذه النتيجة، وهذا المرجع هو: اختلافات الجندر للقدرات الأكاديميَّة، للكاتبة "دايان هالبرن"، والأغرب من هذا هو أنّ الكاتبة في كتابها توصلت إلى موقف مضاد لما وصل إليه الباحث "وود هيد"، ففي مقدمة كتابها تبين "هالبرن" أنّ سبب الفروق بين الجنسين في القدرات العقليَّة والفكريَّة تعود إلى التنشئة الاجتماعيَّة، وأنّ المجتمع وثقافته وإدراكه هو من ينشئ الممارسات والفروقات، لكنّها بعد البحث المتعمق في الموضوع، والاطلاع على المجلات والمقالات المُتخصِّصة غيّرت وجهة نظرها، فقد تبين لها أنّه بالفعل يوجد فوارق حقيقيَّة بين الجنسين وفي بعض الأحيان تكون الفروق كبيرةٌ جداً ترجع إليها الاختلافات الإدراكيَّة، هذا مع عدم إغفال التنشئة الاجتماعيَّة في التأثير، لكنّ الفروق البيولوجيَّة هي صاحبة الدور الأكبر في ذلك، وتضيف هالبرن أنّها لم تتوقع هذه النتيجة حين شروعها في البحث، والقراءة في المراجع.

 

ولو أردنا إجمالاً إيراد أهم فوارق الجندر، مع الاعتراف بالحاجة إلى مزيد بحث وتقص وشرح لوجدنا أنّه:

  • على صعيد القدرات الإدراكيَّة تتفوق البنات على الأولاد في القدرات الكلاميَّة الشفهيَّة، بينما يتفوَّق عليهنّ الأولاد في الرياضات.
  • وعلى صعيد العلاقات العاطفيَّة يختلف الجنسان في معايير اختيار شريك أو شريكة الحياة، وفي نظرتهما إلى الممارسة الجنسيَّة، وفي تقويمهما لمكانة وموارد شريك أو شريكة الحياة.
  • كذلك نجد هناك اختلافاً كبيراً بينهما في تربية الأطفال.
  • ونجد اختلافًا في الطبيعة العامة للرجل التي تميل إلى العدوان والمنافسة والبحث عن مكانة، بينما لا نجد هذه النزعة لدى المرأة.

كل هذه الاختلافات تدفعنا إلى وضع ظروفٍ تربويَّة مناسبة لوضع الجنسين في سياقٍ مناسبٍ في حياتهم العمليَّة والأسريَّة.

 

علم النفس النشوئي، حقائق جديدة:

اعتمدت كل من "غراغليا وكريتندن وسكراتن" في القول إنّ الفوارق بين الجنسين تستند إلى الواقع البيولوجي الهرموني، ثم جاء علم النفس النشوئي مُؤكِّداً هذه الحقيقة، فقد كتبت "غراغليا" حين تحدثت عن "سيمون دي بفوار" بعشيقها "الأرفع منزلة والأعظم نفوذًا" أنّ هذا الافتنان يعود إلى أساس بيولوجي، كما أثبت ذلك عالم النفس النشوئي "ديفيد باس"، حيث يقول إنّ المرأة بيولوجياً تميل إلى الرّجل القوي، الأعظم منزلةً منها، والذي في إمكانه حمايتها وإعالتها بينما تقوم هي برعايته وأطفاله. كما قالت "غراغليا" إنّ الغيرة لدى الرجل ورغبته في إخلاص زوجته ووفائها ما هي إلا حقيقة من حقائق الحياة، وقد كنا نعترف بها كجزءٍ من معرفتنا الثقافيَّة، ثم أثبتها علماء النفس النشوئيون مؤخراً.

ويمكننا تحديد خمسة أمور تدل على وجود فروقٍ مؤثرةٍ بين الجنسين أثبتها علم النفس النشوئي وهي دحض كثيراً من نظريات الحركة النسويَّة:

  • القدرة الفضائية: تعتقد النسويات والوكالات الحكوميَّة بأنّ التنشئة الاجتماعيَّة واهتمام المُعلِّمين وتأثير الوالدين هي وراء اعتقاد البنات بأنّ الرياضيات وما شابهها مواد
    "غير أنثوية"، وأنّ المجتمع يشجعهن على قطع الصلة بهذه المواد في سنٍّ مبكرة، بينما يشجع الأولاد على الاهتمام بهذه المادة.

لكنّ علم النفس النشوئي يبطل هذه الرؤى، ويرجع الفروق بين الجنسين في النظرة إلى هذه المواد وتفاوت القدرات إلى الاختلافات البيولوجيَّة، مبرهنًا على نظريته بالتجربة.

  • تفضيل النساء حتى الناجحات اقتصاديًا أزواجهم على باقي الأمور الأخرى: ترجع النسويات نتائج البحوث التي أجريت في مجتمعات عديدة والتي أظهرت أنّ النساء عموماً يفضّلن الأزواج الذين يكبرونهن في السن ويفوقونهن في المكانة والموارد السبب إلى عقدة نقص نتيجة حرمان النساء من هذه الأمور في "النظام الأبوي"، فلقد كان على المرأة أن تجاهد في البحث عن رجلٍ يحقق لها الاستقرار الاقتصادي المادي، لكنّ النساء العاملات اللاتي حققن الاستقرار المادي لن يبحثن عن المكانة من خلال الزواج.

لكنّ علماء النفس النشوئيين وبعد إجراء الدراسات والبحوث يقولون غير هذا، إذ أثبتت النتائج أنّ تفضيل النساء للأزواج الأكبر سناً والأكثر نجاحاً قد ثبت حتى لدى النساء الأمريكيات الناجحات اقتصادياً.

وقد أجريت تجربة على الرّجال والنساء، قام بها فريق الباحثين بعرض صور لنساء فاتنات على الرجال، وصور أخرى لنساء ذوات مكانة اجتماعيَّة مرموقة، فكان الرّجال عند الصور الأولى أكثر استعداداً لخيانة زوجاتهم. وعرضت على النساء صور لرجال ذوي جاذبية، وصوراً أخرى لرجال ذوي مكانة اجتماعيَّة مهيمنة فكانت النساء أقل وفاءً لأزواجهن عند الصور الثانية.

  • التفضيلات الجنسيَّة عند الرجال: مما يعلم أن ميول الرجال جنسياً تتجه إلى المرأة الأصغر سناً، وأنّ جمال المرأة يدل على صحتها وشبابها وخصوبتها. وقد أثبت علماء النفس النشوئي ذلك عبر بحوث شملت ثقافات بشريَّة مختلفة، وتبين أنّ للرجال مقاييس مشتركة للجمال تركز على علامات الخصوبة عند المرأة.
  • تربية الأطفال: تقضي النساء وقتاً أطول من الرجال في رعاية الأطفال في جميع الثقافات البشريَّة، وقد أثبتت البحوث أنّ النساء يمتلكن ميول التربية بالنظر إلى الخصائص البيولوجيَّة، بل والآليات النفسيَّة كذلك، مما يجعل تربيتهن أكثر فاعليَّة وعمقًاً.
  • الغيرة: من الحقائق التي نعلمها هو أنّ لكل من الرجال والنساء غيرة جنسيَّة، إلا أنّ البحوث التي أجراها علماء النفس النشوئيون أظهرت اختلافاً في نوع الغيرة، فالرّجال أكثر غيرةً من النساء فيما يتعلَّق بالجانب الجنسي، أمّا النساء فهن أكثر غيرة من الرجال في الجانب العاطفي.

 

إنّ علم النفس النشوئي يقدم لنا الكثير من الحقائق، ويجب علينا أن نستثمر هذا الفرع المعرفي الذي استطاع أن يقدم لنا تفسيرات مبنية على التجارب للاختلافات البيولوجيَّة، هذه التفسيرات قد تستطيع صياغة واقعٍ تربويٍّ جديدٍ مبنيٍّ على الاختلاف البيولوجي، وإن كان العديد لا يؤمنون بهذا العلم لأنّهم لا يؤمنون بالله خالق هذه الاختلافات البيولوجيَّة.

 

اضطهاد النساء بين التصوُّرات والواقع البيولوجي

تتعلَّق قضية اضطهاد النساء التي تدعيها النسويات بالواقع البيولوجي في ثلاثة مجالات، نستطيع تسميتها بظلم التفاوت واللامساواة، وظلم التقييد، وظلم التجريد من الإنسانيَّة.

أمّا عن ظلم التجريد من الإنسانيَّة، فيعرف هذا الظلم على وجه العموم بأنّه التجريد المنظم لمجموعة بشريَّة من الصفات الإنسانيَّة لهدف مُحدَّد، ونستطيع أن نمثل له بجنس العبيد الذين يحرمون من الحرية والاحترام والكرامة. وتقيس الحركة النسويَّة اضطهاد النساء بتجريدهن من الإنسانيَّة على العبيد.

 

لكنّ مطالبات النساء الراغبات في معاملة نوعيَّة أخرى لا يعني بالضرورة أنّهن مظلومات في تلك الأمور بالتحديد، لأنّها غالباً لا تراعي الفروق بين الجنسين، فللأولاد والبنات ردود فعلٍ مختلفة على المعطيات في الحياة، لأنّهم في الحقيقة يعيشون حياة مختلفة تماماً، يمكن تسويغها حين يصبحون رجالاً ونساءً.

 

ظلم التقييد:

وهو نوع الظلم الذي يفرض فيه قيود ظالمة على الحرية الشخصيَّة أو الجماعيَّة، ويستعمل النسويات للتعبير عن هذا الظلم تعبير: "الإقصاء". تدعي النسويات أنّ المجتمعات تصف الرجل بالفاعليَّة والعقلانيَّة والقوة، بينما توصف النساء بالسلبيَّة واعتماد الحدس والضعف، يقول "جاكار": إنّ الرجال والنساء الذين يطابقون هذه الأوصاف على أنفسهم يمارسون "الإقصاء"، لأنّهم ما زالوا يحتفظون بتصوُّرات بعضهم عن البعض الآخر.

 

إنّ الذين يطابقون هذه التعريفات يمارسون نوعاً من التقييد لحرية الاختيار لديهم، إلا أنّ هذا التقييد يختلف عند الجنسين بسبب الاختلاف البيولوجي، فإذا كانت الصورة النمطيَّة "للجندر" هي السبب في اختيار البنات للمواد والوظائف التي من طبيعتها العناية والاهتمام بالآخرين، وليس العلوم والتكنولوجيا فإنّ هذا الخيار لا ينبغي له أن يوصف بأنّه ظالم إذا كان هو ما اختارته البنات والنساء عن كامل رغبتهن، لأنّ الفروق الناتجة من الاختلاف البيولوجي لا تتغير بالإصلاح الاجتماعي.

 

ظلم التفاوت

هو الظّلم الذي يتم فيه حرمان مجموعةٍ ما من نصيبهم المستحق والعادل في الموارد النادرة والقيمة مثل: الغنى والقوة والنفوذ. ومن المعلوم أنّ النساء قد لا يتمكَّن من الحصول على الثروة والدخل المتساوي مع الرجل، إلّا أنّ هذا يحدث بسبب رغبات وحاجات الرجل إلى ذلك، والمرأة يمكنها تعويض ذلك بالرجل.

 

وأضرب مثالاً هنا لأمّي التي كانت تعمل في دوامٍ جزئي وتتقاضى أجراً على ذلك، وتعمل في المنزل على تربية أطفالها ورعاية المنزل بساعات أكثر من ساعات العمل، وكان دخلها من دوامها الجزئي لا يُوازَنُ بدخل زوجها، لكن هذا الأمر لم يزعجها أو يقلقها إطلاقاً، لأنّها تعلم أنّ طبيعة الأسرة تقتضي أن يكون دخل الزوج للأسرة وليس له وحده. إنّني كنت سأَعُدُّ أمي مظلومةٌ لو أنّها لم تكن تعتمد على زوجها، أو كانت قلقة لاحتمال أنّه سيتخلى عنها ليبحث عن امرأةٍ أصغر منها سناً أو لا تثقلها أعباء أطفال، أو كانت تتوقع أن يتم طلاقها بذاك الطلاق "الذي لا يلام فيه أحد"، والذي يقع بلا سبب أو تسويغ. في الحقيقة أنّ النسويات اللاتي يشجعن على مثل هذا الطلاق والذي يجعل المرأة غير آمنة ولا مستقرة هن من يظلمن النساء وليس "النظام الأبوي"، وإذا اختار المجتمع أن يعامل النساء بطريقة مختلفة عن الرجال لوجود الفروقات الاجتماعيَّة فإن هذا لا يفرض أن يُعَدُّ ظلماً.

 

من الصعوبة عَدُّ نتائج الفروقات بين الجنسين نوعاً من الظلم، خصوصاً إذا كان المجتمع يقرها. ولا أنكر أنّه في بعض الأحيان تتعرض المرأة للظلم إذا كانت "غير نمطيَّة"، فالمنهج الإلزامي الذي يفرق في المواد بين الأولاد والبنات سيعيقها إذا كانت تطمح إلى أن تكون عالمة رياضيات كبيرة، فهي ستعترض لصعوبات في النظام المدرسي بسبب ترتيب الجدول الصفي، أو لأنّ المادة تدرس في قسم البنين، أو لأسباب أخرى، مما يصعب عليها الأمر من الناحية النفسيَّة والعمليَّة لأنّها ستجبر على خيارات صعبة، وهذا ظلم بالنسبة إليها.

 

نعم قد يؤدي المنهج الإلزامي، وبعض الأنظمة الدراسيَّة إلى الظلم، لكن في إمكاننا التخفيف منه بل القضاء عليه، عن طريق الحرية الصفيَّة مع مراعاة الفروق بين الجنسين. ربّما تعتقد الحركات النسويَّة أنّ كافة النساء "غير نمطيات"، لذا فإنّهن يضعن سياسات تعليميَّة موحدةٍ لكل النساء، لكن لو أتيح لكثير من الأصوات غير المسموعة أن تظهر رغبتهن في نوع مختلف من التعليم يتلاءم مع طموحاتهن وميولهن الأنثوية.

 

النظام الأبوي، أظلم النساء أم الرّجال؟

تعتقد النسويات أنّ سبب التستر على حقيقة "النظام الأبوي" في السابق كان نتيجة الادعاء أنّ الحياة الأسريَّة للمرأة مجال خاص بها يلائم طبيعتها، والعمل والسياسة للرجل مجال خاص به يلائم طبيعته، وأنّ لكلا المجالين قيم متساوية، هذا النظام كما ترى النسويات يقوم على سيطرة الرجال وعدم المساواة، والحل الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعيَّة في هذه القضية هو إنهاء هيمنة الرجال على النساء، وتوفير فرص العمل للنساء في المجال العام لتتحقق المساواة. لكن لماذا لا ننظر إلى الأمر بصورة عكسية؟ لماذا لا نعدّ العمل الأسري هو العمل الأرفع قيمة ومقاماً، وأنّه قد تم إقصاء الرجال منه ليتوجهوا إلى العمل في الميادين العامة؟

 

النظام الأبوي، اضطهاد أم اعتماد متبادل؟

تغفل الحركات النسويَّة حقيقة أنّ الرجل قد يقوم بدوره في النظام الأبوي مدفوعاً برغبة النساء في ذلك، فلو نظرنا بعمق إلى هذا المجتمع الذي تقول عنه النسويات إنّه يعتمد "النظام الأبوي" لتشككنا في طبيعته، وهل هو نظام "أبوي" أو "أمومي"؟، ذلك لأنّ النظرة السطحية إلى الأمور قد تظهر أنّ الرجال هم الذين يسيطرون على المجتمع، وهم الذين يتمتَّعون بالقوة والنفوذ، لكن لو اطلعنا على كثير من التنظيمات لوجدنا أنّها ظهرت ونجحت بطريقة "التفاعل المتبادل" بحيث يكون الرجال هم الذين يكدحون تلبيةً لرغبة النساء في أن يكونوا كذلك.

 

نسويات يحاولن تصحيح الاتجاه

بعد تداعيات نظريَّة الحركة النسويَّة، والمشاكل التي أفرزتها حينما حاولت تغيير "النمط الاجتماعي"، تراجعت بعض النسويات عن حمى هذا القول، وحاولن تصحيح المسار بانتحاء حل أوسط مما أدى إلى انقسام داخل الحركة النسويَّة، فقد نشر حديثًا كتابان، أحدهما بعنوان: "تعليم الآخر" (Educating the Other)، لمؤلفته "كاري بشتر" (Carries Peachter)، وكتاب "الرد على الانتقاد" (Answering Back) لمؤلفته "جين كينواي" (Ken way) و"سو وليس" Sue Willis))، تضمّن الكتاب فكرةً جديدةً حول مفهوم النوع الاجتماعي، وخلاصة قولهم هو أنّ فكرة النمط الجنسي أو النوع الاجتماعي لا يتضمَّن خطأ في ذاته إذا ما راعى المجتمع النساء مراعاة خاصة، لكنّ هذا الرأي يتضارب مع رأي الحركات النسويَّة التقليديَّة، مع أنّهما كليهما يتفقان في القول بالنمطيَّة الجنسيَّة، ويفترقان في أنّ أحدهما يطلق عليه نسويات المساواة والآخر نسويات التحرر، فالأولى وهي الحركة النسويَّة التقليديَّة التي تمتلك النفوذ الأقوى في أمريكا وأستراليا وبريطانيا على الحكومة والإصلاحات التعليميَّة يؤمن بأنّه لا فرق البتة بين الرجال والنساء، ومن ثم فإنّ النساء قادرات على التنافس في كافة ميادين الحياة، والقول بالنمطيَّة الجنسيَّة يعد خطًأ كبيراً لأنّه يؤدي إلى فرض اختيارات سلبيَّة على البنات والنساء. أما الرّأي الثاني الجديد فيتضمَّن اعترافاً بوجود الفروقات بين الرجال والنساء، ويصرحن بأنّ القول بالنمطيَّة الجنسيَّة ليس خاطئاً.

 

خلاصة التساؤلات

بعد هذه الخلفية حول الحرب على "النمطيَّة الجنسيَّة"، ومحاولة قراءة "الأدوار النمطيَّة" بصورة أقرب إلى الواقع، نستطيع أن نجيب عن التساؤلات الملحة التي تفرض نفسها: هل الحرب على "النمطيَّة الجنسيَّة" سيزيد المرأة سعادة؟ وهل "التنشئة الاجتماعيَّة" هي السبب الحقيقي في ظهور "النمطيَّة الجنسيَّة"؟

 

إنّ كل ما ذكرنا يدعونا إلى القول إنّ المرأة إذا شنّت حرباً على النمطيَّة الجنسيَّة في مجال البيت والأسرة فإنّ هذا لن يعطيها السّعادة، بل إنّ الخروج على هذه النمطيَّة سيزيدها شقاءً، ومن حقنا ألا نربط التنشئة الاجتماعيَّة في قضية "النمطيَّة الجنسيَّة" لأنّ هذا يرجع إلى طبيعة تكوين النّساء، فهي المسؤولة عن توجهاتهن لاختيار نمطٍ معيّنٍ في الحياة ابتداءً من المواد الدراسيَّة والوظائف والتجربة التي استمرت ثلاثين سنة خير برهان على ذلك، لكن مع الأسف فإنّ المعركة الدائرة حول التعليم المختلف قد انتصر فيها النسويات اللاتي يؤمن بالمساواة الكاملة، ولم يعد يسمح لأحد حتى بطرح التساؤل حول إذا ما كان ينبغي للتعليم أن يكون مختلفًا ليناسب الطبيعة البيولوجيَّة لدى كل من الطلاب والمُتعلِّمات.

 

النتائج التي خرج بها الكتاب

خلاصة القول إنّه يجب علينا أن نتقبل خيار المرأة التي تقدم الحياة الأسريَّة على الوظيفة والعمل، وألّا نَعُدَّ هذا من الظلم أو الاضطهاد، بل الظلم الحقيقي هو في عدم منح الفرصة للفتيات أن يخترن ما يلائم طبيعتهن.

إنّنا سنفتقد شيئاً كبيراً لا يمكن تعويضه إذا شجعنا الفتيات على اقتحام مجال المنافسة المفتوحة مع الأولاد.

 

وأخلص من كتابي إلى توصيات هي:

  • يجب فتح الباب للحوار والنقاش حول هذه القضية المهمة، وألّا نعد أنّ طريق تثقيف الجمهور يتم بالطريقة المتعالية المعتادة وإن كانت وسائل الإعلام ومن ثم الجمهور لا يؤمنون إلا بها. يجب علينا توسيع أفق التثقيف عن طريق المناظرات والحوارات المفتوحة للجميع.
  • ينبغي لنا التوقُّف عن النظرة القلقة بشأن انصراف الفتيات عن دراسة الرياضات والعلوم وما شابهها، إذ لأنّ ابتعادهن هو بسبب طبيعتهن الأنثوية.
  • يتوجب على القانون ألا يفرض على المجتمع الحياد في "الجندر"، أو انحيازه إلى جندر معين في المُؤسَّسات التعليميَّة.
  • ينبغي تشجيع المُؤسَّسات التعليميَّة على ابتكار مناهج دراسيَّة وأساليب تعليم وتقويم جديدة تراعي الفوارق بين الجنسين، لتوجد واقعاً تعليمياً ملائماً للأولاد والبنات، مع مراعاة أن ليس كل ما هو جديد ومبتكر دائماً يناسب الجنسين معاً.
  • يجب تقبُّل فكرة أنّ لكل من الأولاد والبنات أولويات مختلفة في حياتهم.

 

تقول "دانييل وكريتندن" في كتابها "الأشياء التي لم تخبرنا أمهاتنا بها": "إنّ النساء اليوم يخططن لحياتهن بطريقة خاطئة، بسبب انهزاميتهنّ أمام الأفكار النسويَّة، ففي العشرين وحين تكون أجسادنا أكثر خصوبة نستسهل الوظائف، لكننا نكتشف متأخراً وبعد التجربة أنّنا لم نجد المكانة المهنيَّة المحترمة، وأنّ خيارنا لم يكن متعقلاً، فنبدأ بالتفكير في الزواج وإنجاب الأطفال حين تكون أجسادنا لا تقوى على الحمل" وتضيف: "ألم يكن من الأفضل لو أننا عشنا حياتنا بالعكس، نتزوج باكراً وننجب الأطفال، ثم نطلب الوظيفة لاحقاً".

أخيراً أعيد القول إنّنا يجب أن نتخلَّص من الإلزام الذي يردم الفجوة بين الجندر، بل يجب ألا نشعر بأي تحفُّظ حين نمجد الفوارق بين الجنسين التي أوجدت لنا الكثير من الأمور التي نقدِّرها في الثقافة الإنسانيَّة.

 

الفهرس:

  • مجلة المعرفة العدد (139).
  • لاحظ أنها النظرة نفسها التي يروج لها علمانيو مجتمعاتنا الإسلاميَّة.

المصدر