د.محمد عوض الترتوري

تُعَدُّ إدارة الجودة الشاملة (Total Quality Management) من أهم الموجات التي استحوذت على الاهتمام الكبير من قِبَلِ المديرين الممارسين والباحثين الأكاديميين (Lotana, Lavan, 1993; Weeb & Bryant, 1993)، كإحدى الأنماط الإداريَّة السائدة والمرغوب فيها في الفترة الحاليَّة، وقد وصفت بأنها الموجة الثوريَّة الثالثة بعد الثورة الصناعيَّة وثورة الحواسيب (المناصير، 1994). ويُعَدُّ مفهوم إدارة الجودة الشاملة (TQM) فلسفة إدارة عصريَّة ترتكز على عدد من المفاهيم الإداريَّة الحديثة الموجهة والتي يستند إليها في المزج بين الوسائل الإداريَّة الأساسيَّة والجهود الابتكاريَّة وبين المهارات الفنيَّة المُتخصِّصة من أجل الارتقاء مستويات الأداء والتحسين والتطوير المستمرة (الخطيب، 1999).

لقد ظهرت تعريفات عديدة لإدارة الجودة الشاملة، فقد عرّفها معهد الإدارة الفيدرالي بأنَّها تأدية العمل الصحيح على نحو صحيح من الوهلة الأولى لتحقيق الجودة المرجوة بشكل أفضل وفاعليَّة أكبر وفي أقصر وقت، مع الاعتماد على تقديم المستفيد من معرفة مدى تحسن الأداء (القحطاني، 1993). وعرّفها ريلي (Riley) بأنَّها تحول في الطريقة التي تُدار بها المُنظَّمة، والتي تتضمَّن تركيز طاقات المُنظَّمة على التحسينات المستمرة لكل العمليات والوظائف، وقبل كل شيء المراحل المختلفة للعمل، حيث إنَّ الجودة ليست أكثر من تحقيق حاجات العميل. أما روبرت بنهرد (Robert Benhard) فقد عرّف إدارة الجودة الشاملة بأنها بناء ثقافة متميزة في الأداء، تتضافر فيها جهود المديرين والمُوظَّفين بشكل متميز لتحقيق توقعات العملاء، وذلك بتركيز العمل على جودة الأداء في مراحله الأولى وصولاً إلى الجودة المطلوبة بأقل كلفة وفي أقصر وقت (Benhard, 1991).أما دليل إدارة الجودة الشاملة الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية فقد عرّف إدارة الجودة الشاملة بأنَّها مجموعة من المبادئ الإرشادية والفلسفية التي تمثل التحسين المستمر لأداء المُنظَّمة من خلال استخدام الأساليب الإحصائية والمصادر البشريَّة لتحسين الخدمات والمواد التي يتم توفيرها للمُنظَّمة، وكل العمليات التي تتم في التنظيم والدرجة التي يتم فيها تلبية حاجات العميل في الوقت الحاضر وفي المستقبل (المناصير، 1994). إن التحدي الأساسي الذي يواجه المُنظَّمات عند تطبيقها لمنهجيَّة إدارة الجودة الشاملة هو إحداث التكيف والتوازن بين مُتغيِّرين أساسيين: الأول هو توفير الاستقرار في الخدمة والذي يساعدها على تخطيط إنتاجها ومستلزماته بشكل جيد وبدرجة عالية من الدقة، والثاني هو إدخال تغييرات على العمليات داخل المُنظَّمة عامة، والإنتاج بشكل خاص، لمواجه وتلبية حاجات ورغبات العملاء التي تتغير بين الحين والآخر  (عقيلي، 2001).

وكأي موجة إداريَّة تظهر وتطبق وتحظى بالاهتمام والانتشار، فقد بدأت إدارة الجودة الشاملة تحظى باهتمام الباحثين، وقد وجدت معظم الدراسات أن تطبيق إدارة الجودة الشاملة له انعكاسات إيجابيَّة على أداء المُنظَّمة التي تطبقها، وذلك من خلال تحسين معدل الربحية وانخفاض التكاليف، وتحسين الأداء الحالي وتحسين علاقاتها بالمُوظَّفين (Butler, 95-1996 Ruo, et al, 1996)، وارتفاع مستويات الرضا الوظيفي لديهم. وبوجود المؤشرات التي تبين جدوى إدارة الجودة الشاملة ازدادت أهميتها، وازدادت سرعة انتشارها.

إلَّا أنَّ بيانات سلبيَّة توصَّلت إليها بعض الشركات الاستشاريَّة والتي شككت في مساهمة إدارة الجودة الشاملة في مواجهة التحديات. ونشر هذه النتائج في مجلات ودوريات علميَّة تحت عناوين بارزة مثل "تكلفة الجودة تواجه أوقاتاً صعبة" (Mathews & Katel, 1992)، وبرامج الجودة تظهر نتائج زائفة، كل هذا جعل الشك في مدى جدواها يدخل إلى بعض المُنظَّمات، حتى أصبح الانطباع السائد لدى الكثير بأنها غدت تبدو (كصرعة) أخذت دورها وفقدت بريقها.

إنَّ التغير السريع في المبادئ الاقتصاديَّة والتقنيَّة الاجتماعيَّة والديموغرافية استدعى نشوء مطالب ملحة على الجودة وعلى فاعليَّة هذه الجودة. ومجتمعاتنا العربية تشهد في الوقت الراهن كثيراً من التغيُّرات الملحوظة في شتى المجالات، التي تفرض على مُنظَّماتها الإداريَّة تغيير أساليبها التقليديَّة في الإدارة، وتبني المفاهيم الإداريَّة الحديثة إذا ما أرادت تحقيق أهدافها بكفاءة وفاعليَّة ( خفاجي، 1995).

والتعليم العالي، مثله كأي نسق تعليم نظامي، ليس إلَّا انعكاساً للسياق الاجتماعي والاقتصادي العام. وليس بالمستغرب أن يعاني التعليم العالي ومُؤسَّسات التعليم العالي مشكلات كبيرة (فرجاني، 1998)، حيث تواجه مُؤسَّسات التعليم العالي والجامعي العربية تحديات وتهديدات بالغة الخطورة نشأت عن المُتغيِّرات التي غيّرت شكل العالم وأوجدت نظاماً عالمياً جديداً يعتمد العلم والتطوير التكنولوجي المتسارع أساساً، ويستند إلى تقنيات عالية التقدُّم والتفوق، الأمر الذي لا يدع مجالاً للتردد في البدء ببرامج شاملة للتطوير والتحديث تضمن لمُؤسَّسات التعليم العربية القدرة على تجاوز مشاكلها ونقاط الضعف فيها (مدكور، 2000).

ويشير الخطيب إلى أنَّ هناك قناعة في الأوساط الاجتماعيَّة والأكاديمية في الوطن العربي مؤداها أن إدارة الجامعات تفتقر إلى الكفاءة، وأنَّ غالبية الجامعات العربية تعاني من انعدام الاستقلال الذاتي وضخامة الأنظمة والتعليمات وغموضها وتناقضها. وتعدد المستويات أو الحلقات الإداريَّة والهرمية في كتابة التقارير والضبط، فالقرارات يتم اتخاذها على أعلى مستوى في قمة الهرم الإداري، وإهمال دور القيادات الإداريَّة الوسطى والتنفيذيَّة، الأمر الذي ترتب عليه حدوث عجزٍ في الإداريين المقتدرين، وسيادة نمط إداري معروف باسم إدارة الطوارئ والأزمات. كما يشير الخطيب إلى أنَّ معظم طاقات الجامعات تصرف على الأمور الروتينيَّة ولا توجد أية سيطرة إداريَّة على أداء العاملين من أكاديميين وإداريين، ومن ثمَّ لا يمكن معرفة مستوى هذا الأداء، وغالباً ما تُستخدَم أساليب مراوغة وتأخير لمقاومة الإصلاح والتغيير (الخطيب،1997).

إن تطبيق إدارة الجودة الشاملة يتطلَّب أرضية معينة في كافة البنى التنظيميَّة والإداريَّة والاجتماعيَّة داخل المُنظَّمة وخارجها، بحيث توافر المناخ المناسب لإمكانية التطبيق، إذ لا يمكن أن ينجح تطبيق مفهوم إداري تجهل الإدارة أهميته، فلا بد من توافر القناعة التامة لدى الإدارة العليا بأهمية هذا المفهوم وجعل تحقيق الجودة في مقدمة استراتيجيات الإدارة العليا والعمل على نشر هذه القناعة. كما تتطلَّب قادة قادرين على توجيه الأفراد باتجاه تحقيق بصائرهم المتألقة، وليس هناك من جامعة أو مُؤسَّسة أحرزت تقدماً ضمن مفهوم إدارة الجودة الشاملة دون قيادة ذات قدرة إداريَّة عالية (Costin, 1994). فإذا أُريد لإدارة الجودة الشاملة أن تلقى النجاح في نطاق الحرم الجامعي، فيتعين على رؤساء المُؤسَّسات التعليميَّة ألا يتشبثوا بإمكانية تطبيقها ومعناها الاصطلاحي فحسب بل ينبغي عليهم أيضاً أن يعملوا على إعداد عمليَّة تنفيذ إدارة الجودة الشاملة إعداداً بارعاً بحيث تكون ملائمة لبيئة أكاديمية (Mohrman, 1989). كما يتطلَّب البدء بتطبيق إدارة الجودة الشاملة توافر قاعدة للبيانات تشمل معلومات دقيقة شاملة لواقع المُنظَّمة، والخدمات التي تقدمها، ومن المستفيدين منها، وصعوبات إنجاز العمليات بشكل دقيق، بما يضمن تقويم واقع المُنظَّمة، وتحديد المشكلات القائمة والمتوقعة والأسباب التي تدفع المُنظَّمة إلى تبني هذا المفهوم. وتمر عمليَّة تطبيق إدارة الجودة الشاملة بخمس مراحل أساسيَّة أوردها عبد المحسن )1996) بما يأتي:

 

  • مرحلة اقتناع وتبني الإدارة لفلسفة إدارة الجودة الشاملة: وفي هذه المرحلة تقرر إدارة المُؤسَّسة رغبتها في تطبيق نظام إدارة الجودة الشاملة ومن هذا المنطلق يبدأ كبار المديرين في المُؤسَّسة بتلقي برامج تدريبيَّة مُتخصِّصة عن مفهوم النظام وأهميته ومُتطلَّباته والمبادئ التي يستند إليها.
  • مرحلة التخطيط: وفيها يتم وضع الخطط التفصيلية للتنفيذ وتحديد الهيكل الدائم والموارد اللازمة لتطبيق النظام.
  • مرحلة التقويم: وغالباً ما تبدأ عمليَّة التقويم ببعض التساؤلات الهامة والتي يمكن في ضوء الإجابة عنها تهيئة الأرضية المناسبة للبدء في تطبيق إدارة الجودة الشاملة.
  • مرحلة التنفيذ: في هذه المرحلة يتم اختيار الأفراد الذين سيعهد إليهم بعمليَّة التنفيذ ويتم تدريبهم على احدث وسائل التدريب المُتعلِّقة بإدارة الجودة الشاملة.
  • مرحلة تبادل ونشر الخبرات: وفي هذه المرحلة يتم استثمار الخبرات والنجاحات التي يتم تحقيقها من تطبيق نظام إدارة الجودة الشاملة.

 أما في مجال التعليم العالي فإنَّ الأخذ بهذا المفهوم لا يزال حديثاً، فحتى عام (1993م) لم يزد عدد المُؤسَّسات التعليميَّة الآخذة به على (220) كلية وجامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذا العدد آخذٌ في الزيادة الآن (Lewis, 1994, Pp17-19). أمَّا في العالم العربي فيصعب التكهن بعدد الجامعات التي تطبق مبادئ الجودة الشاملة، مع العلم بأن هناك عدداً لا يُستهان به من الجامعات العربية بدأت تأخذ على عاتقها التزام تطبيق مفاهيم الجودة الشاملة في برامجها وسياساتها وأهدافها التعليميَّة (العلوي، 1998، ص16).

إنَّ تحسين أداء المُنظَّمات أو المُؤسَّسات الحديثة بما فيها الجامعات يشكل اهتماماً عالمياً في جميع دول العالم. يضاف إلى ذلك أنَّ قدرة أي مجتمع على إدارة مُؤسَّساته وبرامجه الحيويَّة ليس فقط بفاعليَّة وكفاءة، وإنما بعدالة وابتكار، تُعَدُّ من أهم الخصائص التي تميز أي مجتمع عن غيره من المجتمعات (الخطيب، 2001).

 

تعريف المصطلحات

  • إدارة الجودة الشاملة: يعرّفها معهد الإدارة الفيدرالي بأنَّها تأدية العمل الصحيح على نحوٍ صحيحٍ ومن الوهلة الأولى لتحقيق الجودة المرجوة بشكل أفضل وفاعليَّة أكبر في أقصر وقت مع الاعتماد على تقويم المستفيد من معرفة مدى تحسن الأداء (القحطاني، 1993).
  • الجامعة: مُؤسَّسة وطنية للتعليم العالي والبحث العلمي (الإبراهيمي، 1997).

 

الدراسات السابقة

تناولت الكثير من الدراسات مفهوم وتطبيق إدارة الجودة الشاملة في دول مختلفة من العالم، وقد قامت الباحثة بمراجعة الدراسات والبحوث السابقة ذات الصلة بموضوع البحث بهدف التعرُّف على أهم النتائج والمؤشرات العامة التي أسفرت عنها تلك البحوث والدراسات، وفيما يأتي استعراض لبعض هذه الدراسات:

 

تُعَدُّ دراسة (الزامل، 1993) واحدة من أولى الدراسات التي تناولت مفهوم إدارة الجودة الشاملة في البيئة العربية، فقد بحثت المفهوم في المملكة العربية السعودية، وقد كان هدفها الرئيس تقديم إطار عام لمفهوم إدارة الجودة الشاملة، ومن ثم فحص مدى إلمام المُنظَّمات السعودية به. كما بحثت الدراسة المعوقات الرئيسة لضعف التطبيق، وسبل نشر الوعي بمفهوم إدارة الجودة الشاملة. ولتحقيق هذه الأهداف، استعانت الدراسة بالتصميم المسحي، واستخدمت الاستبانة في جمع المعلومات. دلت نتائج الدراسة أن (42٪) من المُنظَّمات التي استجابت للدراسة، تطبق مفهوم إدارة الجودة الشاملة، و(21.5٪) تخطط لتطبيق المفهوم. علماً بأن العدد الكلي هو (1000) مُنظَّمة التي شملتها الدراسة، وقد أعطت الدراسة فكرة أن المُنظَّمات غير المستجيبة والبالغ عددها (839) مُنظَّمة لم تطبق أو تفكر في مفهوم إدارة الجودة الشاملة. من جهة أخرى وجدت الدراسة علاقة طردية بين حجم المُنظَّمة ومدى وضوح المفهوم، وكذلك محاولة تطبيقه، كما بيّنت الدراسة وعي المُنظَّمات التي طبقت أو تحاول تطبيق المفهوم بأهمية التدريب بكل أنواعه في نجاح التطبيق.

 

وأجرى العلي (1996) دراسة حول تطبيق التعليم الجامعي باستخدام نظام إدارة الجودة الشاملة، وقد خلصت الدراسة إلى أنَّ كل من استراتيجيات إدارة الجودة الشاملة في الجامعات تعتمد على الجهود المشتركة التي من خلالها سيكون في الإمكان مشاركة جميع الأفراد العاملين والتحسينات المستمرة التي تمكّن الجامعة من استخدامها في تحقيق الرضا والطموحات لدى المستفيدين. هذا بالإضافة إلى أن تطبيق هذا النظام في مُؤسَّسات التعليم العالي يتطلَّب ضرورة الحصول على الدعم من مُنظَّمات الأعمال والتجارة المختلفة.

 

قامت ناجي (1998) بدراسة تهدف إلى التعرُّف على مفاهيم وأساليب إدارة الجودة الشاملة وإمكانية تطبيقها في مُؤسَّسات التعليم العالي في الأردن. وقامت بتطبيقها على جامعة عمّان الأهلية، تم فيها استقراء آراء عمداء الكليات ورؤساء الأقسام ومديري الدوائر والطلبة حول تطبيق إدارة الجودة الشاملة في الجامعة. ودلت نتائج هذه الدراسة على أنَّ مستوى رضا طلبة جامعة عمّان الأهلية كان مرتفعاً فيما يخص تجهيزات الجامعة ومنخفضاً بالنسبة للخطط الدراسيَّة والكادر الأكاديمي والأنظمة والتعليمات الداخليَّة. كما تتوافر لدى الجامعة القناعة والرغبة في تطبيق مبادئ إدارة الجودة الشاملة، كما أن الجامعة تقوم بالتطبيق الفعلي لبعض مبادئ إدارة الجودة الشاملة مثل تقديم الحوافز للمُوظَّفين والعمل على تلبية احتياجات الطلبة.

 

وفي دراسة قام بها كوت (Coate, 1990) كان الهدف منها تحقيق سياسة الجودة الشاملة في جميع أنحاء جامعة أوريجون بحلول عام (1994)، حيث تم الاتصال بخمس وعشرين جامعة ومُؤسَّسة تعليميَّة ومن ضمنها جامعة أوريجون. وكان من نتائجها أن (17) مُؤسَّسة تعليميَّة منها تعمل على إنجاز سياسة الجودة الشاملة في جزء من مناهج الطلاب الخريجين ومَن هم على أبواب التخرج. كما أن نصف المُؤسَّسات التعليميَّة التي خضعت للاستطلاع قد نفذت سياسة الجودة الشاملة إلى حد بعيد من خلال تشكيل فرق دراسيَّة. وقد جرى استخدام سياسة الجودة الشاملة في (خمس) منها لغرضي التعليم والأبحاث فقط، وأن خمسة عشر من هذه المُؤسَّسات قد بذلت جهوداً ملحوظاً من الناحية الخدماتية. في حين أن العشرة الأخرى قد كرّست جهودها للجانب الأكاديمي وتُعَدُّ الأعمال الأكاديمية أكثر الأعمال أهمية في الكليات.

وفي دراسة مسحية تم إجراؤها من قِبَلِ عدد من أعضاء هيئة التدريس بكلية كندي الحكوميَّة بجامعة هارفارد، أُجريت عام (1990) لاثنين وسبعين من مديري المراتب العليا في الحكومة الفيدرالية، لاحظ كل من كابليانو وبرازالي (Kabolian & Brazaley, 1990) أن إدارة الجودة الشاملة تحقق تقديراً أو مكانة جوهرية في نطاق الحكومة الفيدرالية لكونها طريقة لتحسين الأداء التنظيمي. وقد وجد أن واحداً وستين بالمئة من أولئك الذين أُجريت عليهم الدراسة المسحية قد تلقوا تدريباً في إدارة الجودة الشاملة، وأن تسعين بالمائة منهم كانوا قادرين على إيضاح المعتقدات والقيم الجوهرية لإدارة الجودة الشاملة. كما وجد أن هناك اهتماماً كبيراً بإدارة الجودة الشاملة لدى هؤلاء المديرين.

 

وفي عام (1990) بدأت جامعة ماري لاند بتطبيق إدارة الجودة الشاملة، وكان اهتمام رئيس الجامعة كبيراً بتطبيق إدارة الجودة الشاملة في الجامعة، وكانت محاولة الجامعة تطبيق إدارة الجودة الشاملة للضرورة والرغبة في التفوق. كما أنَّ هناك ثلاثة عوامل رئيسة حفزت رئيس الجامعة إلى الاهتمام بتطبيق إدارة الجودة الشاملة هي: عدم التساوي في نوعيَّة الخدمات التي تقدمها الجامعة، والصعوبات المالية التي كانت تواجه الجامعة، والتغييرات الثقافيَّة التي تنتج عن تطبيق إدارة الجودة الشاملة. وقد أظهرت التطبيقات نتائج تتلخَّص في أن معظم تطبيقات نظام إدارة الجودة الشاملة في التعليم العالي تتركَّز في الجانب الإداري أكثر مما هي عليه في الجانب التدريسي، والبحث العلمي في الجامعة (Fram, 1995).

 

وفي دراسة قام بها سيمور (Seymour,1991) على ثلاث وعشرين من الكليات والجامعات الرائدة والتي تقوم بتنفيذ برنامج إدارة الجودة الشاملة. أفادت بأنَّ إدارة الجودة الشاملة تستطيع أن تُحْدَث فرقاً في تحسين جودة التعليم تشمل فوائد إدارة الجودة الشاملة في الحرم الجامعي والمتمثلة في تضاعف إمكانية المُؤسَّسة التعليميَّة على تحمُّل مسؤوليَّة الخدمات التي تقدمها، وتحسنت البيئة المدرسيَّة معنوياً. وأصبح اتخاذ القرار قائماً على المعطيات والحقائق أكثر مما كان عليه، وأصبحت الفرصة سانحة لأفراد الدوائر المختلفة بأن يعملوا معاً. وتضاعفت معرفة جميع العاملين حول المهمة والعمليَّة التعليميَّة وتقلصت النفقات وانخفضت الأعمال التي تتطلَّب الإعادة.

 

دراسة براون وجاكولين (Brown & Jacqueline, 1995) حول اتجاهات المُوظَّفين إلى تطبيق إدارة الجودة الشاملة في وزارة التربية والتعليم في ولاية أورغن. والتي هدفت إلى استقصاء العلاقة بين اتجاهات المُوظَّفين في تلك المديرية، وأثر هذه الاتجاهات في تطبيق إدارة الجودة الشاملة. وقد تكونت عينة الدراسة من (400) مُوظَّف يعملون في وزارة التربية والتعليم في المديرية العامة في ولاية أورغن، وقد خلصت الدراسة إلى عدم وجود فروقات تتعلَّق بأثر مدة الخدمة، والجنس، في تطبيق إدارة الجودة الشاملة. كما وجدت الدراسة أثر الاختلافات المرتبطة بالمُتغيِّرات الباقية (المستوى التعليمي والعمر والخلفية العِرقية ومكان العمل)، في تطبيق إدارة الجودة الشاملة، حيث كانت أكثر الفروق في مُتغيِّرات مستوى التعليم والخلفية العِرقية، كما توصَّلت الدراسة إلى أن هناك فروقات تُعزى إلى بعض الصفات الشخصيَّة وإلى اتجاهات المرافقين والمعارضين والتي أمكن تحديدها.

 

دراسة (Longenker & Scazzero, 1996) حول التحديات المستمرة لإدارة الجودة الشاملة، هدفت الدراسة إلى فحص مدى إدراك مجموعة من المديرين لمفاهيم إدارة الجودة الشاملة، وممارسة هؤلاء المديرين لمفهوم إدارة الجودة الشاملة. كما هدفت إلى تحديد المشاكل والمعوقات التي تواجه تطبيق إدارة الجودة الشاملة من وجهة نظر هؤلاء المديرين، وقد أُجريت الدراسة على عينة شملت (137) من المديرين المتمرسين في إدارة الجودة الشاملة يعملون في (10) مُؤسَّسات صناعيَّة وخدمية مختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد توصَّلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

  • أجمع المديرون بقوة على أن إدارة الجودة الشاملة تؤدي إلى تحسين جودة المنتجات والخدمات، ولكن مُؤسَّساتهم لمَّا تطبق بعد المبادئ.
  • على الرغم من إدراك المديرين لأهمية إدارة الجودة الشاملة لكونها أداة فعَّالة لتحسين النوعيَّة، إلَّا أَّن دعمهم لنشاطات إدارة الجودة الشاملة يتناقص عبر الوقت.
  • وفي ظل إدراك معظم المديرين لوجود مجموعة من المشاكل التي تواجه تطبيق إدارة الجودة الشاملة في مُؤسَّساتهم، إلا أن تركيزهم على معالجة هذه المشاكل ما زال محدوداً.
  • كان من بين أبرز المشاكل التي تواجه إدارة الجودة الشاملة هي مشاكل إداريَّة وبشريَّة مثل الإشراف غير الفعَّال، وقلة التدريب للعاملين، وعدم فاعليَّة إجراءات التصحيح.

 

قام درباس (1994) بدراسة حول إدارة الجودة الشاملة وإمكانية الإفادة منها في قطاع التعليم السعودي والمعوقات التي تواجه ذلك، وخلصت الدراسة إلى أنه من الضروري تطبيق مفاهيم إدارة الجودة الشاملة في المُؤسَّسات المختلفة، وأن الظروف مهيأة للبدء بتطبيق مفاهيم وأساليب إدارة الجودة الشاملة في النظام التربوي السعودي. كما وجدت الدراسة أن المسؤولين التربويين السعوديين أمامهم نماذج وأساليب عديدة لإدارة الجودة الشاملة يمكنهم اختيار المناسب منها للتطبيق في المدارس السعودية بعد إجراء التعديل اللازم وبما يتناسب مع البيئة السعودية، مع إمكانية تذليل الصعاب التي قد تعوق تطبيق هذه المفاهيم في هذا القطاع الحيوي.

 

أهمية تطبيق مبادئ إدارة الجودة الشاملة في مُؤسَّسات التعليم العالي

تواجه المُنظَّمات ومنها الجامعات ومراكز المعلومات ومُؤسَّسات التعليم العالي المختلفة موجة من التحديات متمثلة في انخفاض الإنتاجيَّة، وزيادة التكاليف، ونقص الموارد المالية، وتبني أساليب غير فعَّالة لتحقيق الأهداف المنشودة، وكذلك تدني مستوى الرضا الوظيفي لدى العاملين.

ومواجهة هذه التحديات والتغلُّب عليها أمر في غاية الأهمية، لا لتتمكَّن هذه المُنظَّمات ومنها المكتبات من المنافسة، بل لتتمكَّن من البقاء، لذلك كان لا بد من التطبيق السليم والشامل لمفهوم إدارة الجودة لتحسين مستويات الجودة وتمكين المُنظَّمة من التميُّز، وذلك عن طريق تحقيق عدد من الفوائد وأهمها زيادة الإنتاجيَّة وتخفيض تكلفة الأداء وتحسين مستوى جودة المنتج أو الخدمة التي تقدمها للمستفيد، إلَّا أنَّ النظرة التقليديَّة المتمثلة في وجهة النظر القائلة بأنَّ تحسين الجودة يتعارض مع زيادة الإنتاجيَّة ويساهم في زيادة تكاليف الأداء، تجعل كثيراً من المُنظَّمات الإداريَّة ومنها المكتبات تتردَّد في الاستثمار في تطبيق مفهوم إدارة الجودة الشاملة، والذي انعكس بدوره على تفاقم المشكلات الإداريَّة، وسوء الخدمات المقدمة ومن ثمَّ عدم تحقيق رضا المستفيد عما يقدم له من منتجات أو خدمات (العباس، 2002م، ص5،6).

إنَّ مفهوم إدارة الجودة الشاملة وتطبيقه لم يعد يقتصر على المُؤسَّسات والمُنظَّمات التي تهدف إلى الربح المادي فقط، بل إنَّ رغبة المُؤسَّسات والمرافق العامة لتحقيق جودة مخرجاتها لا تقل عن رغبة تلك المُؤسَّسات الهادفة في الربح، خاصة المعاهد والجامعات، إذ إنَّ تحقيق الأهداف بصورة جيدة ومرضية هو ذاته نجاح ومفخرة لمن قام به بغض النظر عن الربح أو عدمه. كما تسعى الجامعات حالياً في جميع بلاد العالم إلى التجديد والتطوير والتحديث بسبب تعدد المؤثرات وتنوعها في البيئة المحيطة. وتأخذ الجامعات بآليات مُتنوِّعة ومُتعدِّدة لتحقيق هذا التحوُّل.

 

المراجـــع

المراجع العربية

  • أبو ليلى، حسن محمد (1994) إدارة الجودة الشاملة: دراسة ميدانيَّة لاتجاهات أصحاب الوظائف الإشرافية نحو مستوى تطبيق ومعوقات إدارة الجودة الشاملة في شركة الاتصالات الأردنية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة اليرموك، الأردن.
  • الإبراهيمي، عدنان بدري (1997) فاعليَّة إدارات شؤون العاملين في الجامعات الأردنية الرسميَّة، رسالة دكتوراه، العراق.
  • الخطيب، أحمد (1999) التعليم الجامعي والتحوُّل الديمقراطي، ورقة عمل، مركز الأردن الجديد للدراسات، أيلول، عمّان، الأردن.
  • الخطيب، أحمد (2001) الإدارة الجامعية (دراسات حديثة)، الطبعة الأولى، مُؤسَّسة حمادة للدراسات الجامعية، إربد، الأردن.
  • الخليل، عبد الحميد (2000) إدارة الجودة الشاملة بالتطبيق على الصناعات الغذائية في سورية، رسالة ماجستير، جامعة حلب.
  • الزامل، خالد محمد (1993) مفهوم إدارة الجودة في المملكة العربية السعودية، بحث مقدم في المؤتمر السادس للتدريب والتنميَّة الإداريَّة، القاهرة، 19-21 أبريل.
  • العلمي، عبد الستار محمد (1996) تطوير التعليم الجامعي باستخدام إدارة الجودة الشاملة، ورقة عمل قدمت في المؤتمر الأول للتعليم الجامعي الإداري والتجاري في العالم العربي، جامعة الإمارات العربية المتحدة، العين، الإمارات العربية المتحدة، 12-14 مارس، ص1-12.
  • العلوي، حسين محمد (1998) إدارة الجودة الشاملة في مُؤسَّسات التعليم العالي، مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة،ص16.
  • القحطاني، سالم سعيد (1993) إدارة الجودة الشاملة وإمكانية تطبيقها في التعلُّم الحكومي، مجلة الإدارة العامة، العدد (78)، أبريل، ص7-35.
  • المناصير، علي فلاح (1994) إدارة الجودة الشاملة في سلطة الكهرباء الأردنية، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية.
  • خفاجي، عباس (1995) الجودة الشاملة، جامعة الإسراء، عمان، الاردن.
  • درباس، أحمد سعيد (1994) إدارة الجودة الكلية، مفهومها وتطبيقاتها التربويَّة وإمكانية الإفادة منها في القطاع التعليمي السعودية، رسالة الخليج العربي، المجلد (14)، العدد (50)، ص15-40.
  • عبد المحسن، توفيق (1996) تخطيط ومراقبة جودة المنتجات، مدخل إدارة الجودة الشاملة، معهد الكفاية الإنتاجيَّة، جامعة الزقازيق.
  • فرجاني، نادر (1998) مساهمة التعليم العالي في التنميَّة في البلدان العربية، ورقة عمل، المؤتمر الإقليمي العربي حول التعليم العالي، آذار، بيروت.
  • مدكور، علي أحمد (2000) التعليم العالي في الوطن العربي الطريق إلى المستقبل، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة.
  • ناجي، فوزية محمد (1998) إدارة الجودة الشاملة والإمكانات التطبيقية في مُؤسَّسات التعليم العالي، حالة دراسيَّة، جامعة عمّان الأهلية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة اليرموك.

 

المراجع الأجنبية:

  • Ackoff, R. (1993) “Beyond TQM”, Journal for Quality and Participation, pp.66-78
  • Ahire, S. (1996) “Quality Management in Large and Small Firms: An Empirical Investigation”, Journal of Small Business Management, pp.1-13
  • Becker, S. (1993) “TQM Does Work: Ten Reasons Why Misquoted Attempts Fail”, Management Review, pp.30-33
  • Benhard, R. (1991) Public Administration: an Action Orientation, Pcific Grove California, USA, Brooks, Cole Publishing, Co., p.287
  • Brown, F. & Jacqueline, L. (1995) A Study in Organizational Change: the Attitude of Personal Toward TQM Implementation in State Department of Education, Dissertation Abstract International, vol.A55, no.7, p.1753
  • Buter, D. (1995-1996) Comprehensive Survey on How Companies Improve performance through Quality Efforts: Common Features Contributing to Improved Performance: http//www. Dbainc.com/ dba2/library/survey/section 4, pp.1-7
  • Coate, E. (1990) Implementing Total Quality Management in a University Setting, Corvallis, Or Oregon State University
  • Costing, H. (1994) Reading in Total Quality Management, Copyright, by Har Court Brace & Company, Sandigo, New York
  • Evans, R. (1995) “In Defense of TQM”, TQM Magazine, vol.7, no.1, pp.5-6
  • Fram, E. (1995) Not So Strange Bedfellows marketing & Total Quality Management, Managing Service Quality, vol.5, no.1, pp.50-56.
  • Fuchsberg, G. (1992) “Quality Programs Show Shoddy Results”, Wall Street Journal
  • Huang, C. (1994) Assessing the Leadership Styles and Total Quality Leadership Behaviors of
  • Presidents of Four-Year University of Collages that have Implemented the Principles of Total Quality Management Dissertation, The Ohio State Universty
  • Kaboolian, Le & Brazaley, M. (1990) TQM in the Federal Sector: Discourse, Practices and Movements, Paper presented at the Annual Conference of the Association of Publicly and Management, San Francisco
  •  Kaldenberg, D. & Gobeli, D. (1995) “Total Quality Management Practices and Business Outcomes:Evidence from Dental Practices”, Journal of Small Business Management, pp.21-33
  • Kelly, K. (1992) “Quality: Small and Midsize Companies Size the Challenge-not a moment too Soon”, Business Week, pp.66-69
  • Lewis, Ralph G. & Smith, Doglas H. (1994) “ Totality in higher Education”, Lucie Press, Delray Beach. Florida. Pp. 17-19
  • Longenker, C. & Scazzero, J. (1996) The Ongoing Challenge of Total Quality Management, The TQM Magazine, vol.8, no.20, pp.55-60
  • Lotana, J. & Lavan, H. (1993) “Implementation of an Employee Involvement Programme in a Small Emerging High-Technology Firm”, Journal of Organizational Change Management, vol.6, no.4, pp.17-29
  • Mathews, J. & Katel, P. (1992) The Cost of Quality: Faced with Hard Times, Business Sources on Total Quality Management, News Week, pp.48-49
  • Mohraman, A. (1989) Changing the Organization through Time: a New Paredign, San Francisco, Bass Publishers
  • Rao, A. (1996) Total Quality Management: A Cross-Functional Perspective, John Wiley and Sons, Inc., New York
  • Rilay, James, F. (1993) “Just Exactly What is Total Quality Management”, Personal Journal, vol.72, Feb., p.32
  • Seymour, D. (1491) TQM on Campus: What the Pioneers are Finding, AAHE Bulletion, pp.10-13-18
  • Van Horn, L. (1997) “Improving Results through Total Quality Management”, American Agent and Broker, pp.46-72
  • Weeb, P. & Bryant, H. (1993) “The Challenge of Kaizen Technology of American Business
  • Competition”, Journal of Organiational Change Management, vol.6, no.4, pp.9-16
  • Zairi, M. (1993) “Does TQM Impact on Bottom Line Results?”, Arab Management Conference Proceedings, University of Bradford Management Center, pp.1-75