التعلم حدث تلقائي مرتبط بفطرة الإنسان التي فطره الله عليها، فلا يملك أحد منع الإنسان من التعلم مع إختلاف صوره، وما نملكه هو توجيه ذلك التعلم من حيث العمليات والمحتوى. ولكون التعلم مرتبط بالدماغ، فقد توجهت الأبحاث في عمليات التعلم إلى دراسة دماغ الإنسان ومعرفة دوره في عملية التعلم. ورغم أن دراسة تشريح الدماغ والعمليات المرتبطة بأجزائه قديمة، إلا أن ربط تلك الدراسات بالتعلم والتعليم لم يظهر إلا في مراحل متأخرة.

لا شك أنّ الدماغ البشريّ يتمتّع بقدرات لا حصر لها، وطالما دلّت الإحصاءات على أننا لا نستخدم أكثر من 10% من قدرة الدماغ الكامنة، لكنّ ما حدث في السنوات العشر الأخيرة أنّه كلّما تعلّم علماء النفس شيئاً جديداً عن الدماغ لم يعد لديهم الجرأة على تحديد مقدار قدرته. إلا أنّ النتيجة الوحيدة الثابتة التي نملكها تؤكّد على أننا في الواقع نستخدم ما هو أقرب إلى 4% منه إلى 10% من قدرة الدماغ الحقيقية. وسنتعرض سوياً في السطور القادمة لأهم المعلومات عن الدماغ، ولموجات الدماغ، ونصفي الدماغ الأيمن والأيسر، ونظرية الدماغ الثالوثي.

قوة الدماغ: علينا أن ندرك بأن الدماغ ينتظر بشوق كل أمر نوجهه له، مبدياً استعداده لتلبية كل ما يُطلب منه، وكل ما يريده في المقابل هو قليل من الوقود (الأوكسجين الموجود في دمك والقليل من الجلوكوز) ونظراً لتركيبه المعقد وقوته فإنه يتفوق على أحدث قدرة حاسوبية قد توجد في العصور الحديثة، فالدماغ قادر على معالجة ما يصل إلى ثلاثين بليون معلومة في كل ثانية، وهو يحتوي على ما يعادل 6000 ميل من الأسلاك والموصلات، حيث يحتوي الجهاز العصبي للإنسان عادة حوالي 28 بليون عصبونه (وهي الخلايا العصبية المُصممة لإجراء السيالات العصبية). وبدون هذه العصبونات لن تكون أجهزتنا العصبية قادرة على تفسير المعلومات التي نتلقاها عن طريق الحواس ونقلها إلى الدماغ ومن ثم نقل التوجيهات المرسلة من الدماغ التي ترشدنا إلى ما يجب علينا فعله. وتجدر الإشارة إلى أن كل عصبونه هي عبارة عن حاسب آلي صغير الحجم له استقلاله الذاتي وقادر على معالجة حوالي مليون معلومة[1].

تعمل كل من هذه العصبونات باستقلالية عن بعضها البعض، غير أنها تتواصل فيما بينها عن طريق شبكة معقدة من الألياف العصبية التي يبلغ طولها 100000 ميل، وقدرة دماغك على معالجة المعلومات مذهلة، وخصوصاً حين تأخذ بعين الاعتبار أن الحاسب الآلي - مهما كانت سرعته - لا يستطيع أن يقوم بأكثر من اتصال واحد في كل مرة. وبالمقارنة فإن المنعكس في أي عصبونه يمكنه أن ينتشر إلى مئات الألوف من العصبونات في أقل من 20 جزءاً من الثانية، ولتقريب هذه المعلومة لك فإن هذا يعادل أقل من عشر ما يلزم العين لكي تطرف طرفة واحدة.

تأخذ العصبونة فترة أطول بمليون مرة في إرسال رسالة من مفتاح الحاسب العادي، غير أنه بإمكان العقل أن يتعرف على وجه مألوف في أقل من ثانية، وهو أمر يتجاوز قدرة أقوى حاسب آلي، ويستطيع الدماغ أن يحقق هذه السرعة لأن بلايين العصبونات الموجودة فيه يمكنها أن تعالج مشكلة ما في نفس الوقت، على العكس من الحاسب الآلي الذي يسير على أساس خطوة خطوة.

إنّ قدرة الدماغ تتكوّن إلى حدّ كبير من وظيفة العصبونات الموجودة فيه وكثافة الاتصالات فيما بينها. وبما أنّ كلّ عصبونه قادرة لوحدها على القيام بآلاف الاتصالات فإنّ العدد الفعليّ للاتصالات المتبادلة داخل الدماغ يصل إلى التريليونات. ومن الجدير بالذكر أنّ القليل جداً من هذه الاتصالات يتمّ أوتوماتيكياً، ومعظمها يتمّ باستخدام الدماغ، وكلّما حفّزنا الدماغ أكثر زادت الاتصالات بين العصبونات وزادت قدرة الإنسان الذهنية، والكثير من الاتصالات الأساسية المتبادلة داخل الدماغ تتمّ قبل بلوغ الإنسان الخامسة من العمر.

إنّ عدد الاتصالات التي يستطيع الدماغ القيام بها هو العامل الأساسي الذي يحدّد قدرته، فإذا كان هناك ما يقارب 10-15 بليون خلية عصبية، وكلّ منها قادرة على القيام بآلاف الاتصالات فإنّ عدد التبديلات (في الاتصال من خلية إلى أخرى) يصل إلى تريليونات المرات.

 

الدكتور محمد ابراهيم بدرة

دار إيلاف ترين للنشر، كتاب التعلم الطبيعي، النسخة الأولى، المؤلف الدكتور محمد ابراهيم بدرة، 2012.

 

[1]  من كتاب إدارة العمر للمؤلف نفسه.