حين تهتم بصفات جمهورك الديموغرافية والنفسية، وحين تستطيع تحديد احتياجات المستمعين ودوافعهم، يصبح من الأفضل أن تستطيع تحليل نماذج الجمهور ومزاجه وحجمه ومناسبة الإلقاء والبيئة الفيزيائية ووقت الإلقاء.

 

أولاً من ناحية نماذج الجمهور: ينقسم الجمهور إلى مجموعتين وذلك حسب أسباب حضورهم الإلقاء: أهم متطوعون أم مجبرون. فالجمهور المتطوع هو الذي يحضر الإلقاء برغبته الحرة ليستمع للمتكلم, كمعظم البالغين الذين يحضرون جلسة دينية مثلاً أو اجتماع سياسي ما، وبالمثل فأنت قد تذهب لحضور هذه الجلسة بشكل اختياري... فقط لأنك تعتقد بأنها ستفيدك. وبالمقارنة فإن الجمهور المجبر هو الذي يحضر الإلقاء لأنه يشعر بالحاجة لحضوره – هو الذي يُكره أو يُجبر أو يشعر أنه مُجبر لحضور إلقاء ما - وفي أحيان كثيرة ستجد نفسك كجزء من الجمهور المجبر في العديد من المناسبات - مثل بعض الاجتماعات أو مجالس بعض اللجان - وحتى أنك قد تحضر هذه الجلسة لتلبية حاجة ما. كما أنك قد تحضر محاضرة فقط لأنك تشعر بضرورة القيام بذلك. وتذكر أن أسباب حضورك لإلقاء ما أو لعرض أو لجلسة قد تؤثر بشكل ملحوظ على مزاجك أثناء استماعك.

 

ثانياً مزاج الجمهور: وهو يصف رد فعل المستمعين -التأييد أوعدم التأييد أو الحيادية- تجاه المتكلم أو أفكاره أو سبب الحضور أو الاجتماع. كل من هذه المجموعات تبدو بسيطة -ولكن بشكل خادع- قد يكون المستمعون مؤيدين أو غير مؤيدين -بشكل خفيف أو معتدل أو قوي-  لموضوع المتكلم. وعلى المتكلم تحديد مستوى هذه الشدة، فالمستمع المعارض بشكل خفيف لرأيك بأن التعليم المنزلي هو طريقة تعليمية جيدة، سيكون سهلاً إقناعه أكثر من الشخص المعارض بشدة. إذا شعرت بأن بعض جمهورك محايد لموضوعك, عليك محاولة كشف أسباب الحيادية، قد يكون بعضهم غير مستمتع بموضوعك, وعندها ستحاول إقناع هؤلاء المستمعين بأهمية موضوعك. قد يكون هناك مستمعين آخرين غير منسجمين مع موضوعك, عندها يجب أن تكون استراتيجيتك هي تقديم المعلومات الضرورية لمستمعيك لكي يفهموا ويصدقوا أفكارك. وقد يكون بعض المستمعين مترددون بالنسبة لموضوعك، فقد يكونوا مستمتعين وقادرين على الفهم, ولكن لم يقرروا بعد أي موقف سيتخذون التأييد أم المعارضة، في هذه الحالة يجب أن تكون استراتيجيتك هي دعم أفكارك والإشارة إلى نقاط الضعف في حالة المعارضة، وكما ترى إن تقييم رد فعل الجمهور هو نشاط معقد، وكلما كنت أكثر معرفة بالمستمعين كلما كانت هذه العملية أسهل. قد يكون المستمعون مؤيدين أو معارضين أو حياديين ليس فقط بالنسبة للمتكلمين ومواضيعهم وإنما لسبب اجتماعهم لسماع هذا الإلقاء أيضاً. في الغالب يتم دفعنا لنتصور الجمهور المتطوع على أنه ودود، والجمهور المُجبر على أنه عدائي، وهذا ما يحدث في الغالب, فقد يذهب شخص ما للاستماع لمحاضرة عامة في المتحف بسبب اهتمامه بالموضوع أو بسبب احترامه لسمعة المتكلم، ومن جهة أخرى قد يكون أفراد الجمهور المجبر عدائيين بسبب الحضور الإجباري فيقومون بالاستماع إلى المتكلم بطريقة عدائية واضحة.

 

إن الربط ما بين أسباب حضور الجمهور ومواقفهم تجاه المتكلم ليس أمراً سهلاً أبداً. قد يكون الجمهور الحاضر بحريته غير مؤيد للمتكلم أو لموضوع المتكلم، مثل الأشخاص الذين يحضرون خطاباً سياسياً وذلك من أجل الاحتجاج أو من أجل مضايقة المتكلم. وبالمقابل بدلاً من أن يظهر الأشخاص المجبرون بمظهر العدائيين قد يظهرون تواقين لسماع الإلقاء.

 

قد تواجه جمهوراً مجبراً بين حين وآخر... عليك ألا تخاف من ذلك كما قلنا، إن الجمهور المجبر ليس بالضرورة معارضاً للمتكلم أو لمناسبة التكلم. ستتحمل المسؤولية عند اختيارك قصةً أو مواضيعَ هامة للإلقاء، فقد يزيد المستمعون من موقفهم المعارض لك إذا لاحظوا أنك تلقي الإلقاء باستخفاف, أو أنك تستغل الفرصة لإعطاء وجهة نظرك السياسية أو الدينية، تذكر: إن الإلقاء هو نشاط مركز على الجمهور، وتذكر دائماً احتياجات واهتمامات المستمعين عند قيامك بتنظيم رسالتك.

 

عندما تعمل على إعداد السيرة الذاتية لجمهورك, كن حذراً من النقاط التالية: أولاً: إن فهمك للجمهور لن يكون كاملاً، ومن المستحيل أن تكتشف كل شيء عن المستمعين، وفي بعض الأحيان سيكون عليك القيام بالتخمين اعتماداً على معلومات غير كاملة. ثانياً: تذكر النقطة التي أشرنا إليها سابقاً, قد تكون المعلومات التي تجمعها من أجل إلقائك قليلة أو عديمة الفائدة على كثرتها لأن نجاح إلقائك أساساً يعتمد على نوعية جمهورك. ومن جهة أخرى إذا كنت تناقش موضوع الصلاة مثلاً فعندها ستكون معتقدات جمهورك الدينية هي المهمة. أخيراً: تذكر أن جمهورك ليس كتلة متكاملة, وإنما هو مجموعة من الأفراد المستمعين بتجارب وقيم ومعتقدات ومواقف وسلوكيات وشخصيات مختلفة، وعليك ألا تعتقد بأن جمهورك يحمل رأياً واحداً تجاه موضوعك, فتحليل جمهورك سيثبت لك أنه يحمل آراء مختلفة اتجاه موضوعك. قد لا تتوفر لك الفرصة دائماً للحصول على معلومات مُفصّلة قبل تحضير الإلقاء، وكلما كان تحليل جمهورك أكثر تحديداً ودقةً, كلما كانت أفكارك أفضل وكلما تحقق هدفك المحدد. ستحتاج لاستخدام المعلومات التي جمعتها عن صفات الجمهور ونفسياتهم من أجل إعداد السيرة الذاتية للجمهور.

 

من ناحية حجم الجمهور: كلما زاد عدد الجمهور كلما قلت فرصة التفاعل بين المتكلم والمستمعين، أما في التحدث أمام مجموعة صغيرة, فقد يتعرض المتكلم بشكل متكرر للمقاطعة بطرح الأسئلة عليه. فقد يكون الوضع غير رسمي أبداً حيث يجلس المتكلم على المقعد أو على حافة المنضدة أثناء إلقائه، وفي هذه الحالة قد يستخدم المتكلم اللغة العامية وأسلوب المحادثة المريح في الإلقاء. بينما عندما يزيد عدد الجمهور, سيكون على المتكلم زيادة حجم صوته والمبالغة في إيماءاته. وقد تصبح لغة الإلقاء أكثر رسمية خاصة عندما يعلم المتكلم أنه سيتم نشر الإلقاء أو تسجيله. عندما تزيد المسافة الفاصلة بين المتكلم والصف الأخير, يصبح من الواجب زيادة حجم صوت المتكلم والمبالغة قليلاً في الإيماءات وتعابير الوجه، كما يجب التركيز على المساعدات المرئية لكي يتمكن الجمهور من رؤيتها، وما لم يتم تشجيع الجمهور على طرح الأسئلة بعد الإلقاء، فإنهم سيبقون صامتين. كما ترى إن حجم الجمهور يؤثر على نوع الإلقاء الذي تلقيه وعلى طريقة العرض.

 

من ناحية المناسبة: إن المناسبة -سبب حدث الإلقاء- هي عامل هام في تحديد نوع الجمهور الذي ستواجهه. عليك أن تسأل نفسك لماذا اجتمع هذا الجمهور؟ وما هي الظروف التي جمعتهم مع بعضهم؟ إن الجلسة  والمؤتمر السنوي والمأدبة والحفل والسباق واللقاءات الدورية للمنظمة هي جميعها أمثلة عن مناسبات، وقد تكون المناسبة رسمية أو غير رسمية, جدية أو هزلية, مُنظّمة أو عفوية, مُقيدة أو مفتوحة لجميع الناس. إضافة للتعريف البسيط للمناسبة قد تحتاج كمتكلم لمعرفة تاريخ المناسبة، أو التاريخ الحديث للمجموعة التي ستخاطبها، يمكنك أن تقول مثلاً أن موظفي المؤسسة قد دعوك للتكلم أمام المؤسسة كلها، فإذا كان هناك صراع حديث بين الموظفين والأعضاء, فإن غالبية الجمهور قد ينظر إليك ولخطابك نظرة شك. ولكي تفهم أية مناسبة, عليك أن تعرف كلا من هدف وظروف الاجتماع.

 

من ناحية البيئة الفيزيائية: تحوي كل بيئة فيزيائية -أو مكان ما- عوائقاً أمام عملية الاتصال، فقد يعوق حجم الغرفة مثلاً عملية الاتصال، وقد تتحدث أثناء تناول أحد أفراد الجمهور لوجبته، وقد تتنافس مع الضجة الكبيرة: كالأصوات الناجمة عن تجمع بجانب باب القاعة, أو جو الغرفة الحار، لذا عليك مسبقاً التحضير في القاعة التي ستلقي فيها وذلك لتتعرف عليها جيداً ولتستكشف البيئة الفيزيائية التي ستلقي فيها.

 

من ناحية الوقت: إذا تم تخييرك, هل ستختار موعد الإلقاء في الساعة التاسعة صباحاً أم في الواحدة بعد الظهر؟ إذا كنت نموذجيا, فإنك ستختار الساعة التاسعة صباحاً، حتى وإن لم تكن من الأشخاص الذين يستيقظون باكراً. إن كلا من المتدربين والمدربين يجدون أن الحضور والتعليم في الساعة الواحدة بعد الظهر أمر صعب، لأن طاقة الشخص تكون قد ضعفت. ويُشكل الوقت الذي تلقي فيه خطابك جزءً مهماً من تحليل مناسبة الإلقاء، فالإلقاء في الرابعة بعد الظهر من يوم الجمعة سيضع أمامك جمهوراً متعباً أكثر مما سيكون عليه عند الإلقاء في التاسعة والنصف صباحاً من يوم السبت، وبالتالي ستواجه جمهوراً على وشك النوم, وعندها عليك زيادة طاقتك لاستعادة نشاطهم. قد يؤثر توقيت محاضرتك –خاصة إذا كانت ضمن جدول زمني بين محاضرات أخرى- على كيفية تلقي الجمهور له، فإذا كان دورك بعد العديد من المتكلمين الآخرين, فإنك ستحتاج للعمل بجهد أكبر لجذب انتباه المستمعين والمحافظة عليه. باختصار إذا لم يكن جمهورك على ما يرام, فلابد لك من ان تخطط للعمل بجهد إضافي لاستعادة حيوية إلقائك. قد لا يدفعك عامل الوقت لتغيير الموضوع, وإنما قد يؤثر على كيفية الإلقاء.

 

 

  1. Vivian Sykes, ''Perspectives On Cultural Diversity,'' In Cultural Diversity In Libraries, Ed. Donald E. Riggs And Patricia A. Tarin (New York: Neal- Schuman)1.
  2. Terry Sanford, Quoted In ''Commencement Remarks: Learning To Care And Share,'' Representative American Speeches 1988-1989,Ed. Owen Peterson (New York: Wilson,1989)154.