طالب الخبراء والمهتمون بشؤون التعليم بضرورة تفعيل التنمية البشريَّة في مدارسنا لتطوير مهارات التلاميذ واكتشاف ميولهم وتكوين شخصيَّة مستقلّة تتمتَّع بالثقافة الواسعة وكيفيَّة التعايش مع الآخرين وحريّة إبداء الرأي والنّقد البنَّاء وتربية الضمائر. وذلك في ضوء خطط وزارة التربية والتعليم لتطوير البنية التكنولوجيَّة في المدارس بميزانيّة تصل إلى نصف مليار جنيه لربط التطوير المعلوماتي والتكنولوجي بالتطوير البشري دون أن تنظر إلى العنصر البشري بشكلٍ فعَّال.

 

حيثُ أكدوا أنّ ذلك يتحقَّق من خلال ربطها بالأنشطة التي يمارسها الطلاب منذ الصّغر واكتشاف المواهب داخل المدرسة ورعايتها وتعريف الطلاب بحرية الرّأي وتعويدهم الاهتمام بالقراءة والتردُّد على المكتبات ومن خلال تقدير واحترام الانجازات التي تمّت على أيدي مُفكِّرين وعلماء في الوطن مشيرين إلى شمول عمليَّة التّنمية البشريَّة لكلِّ الأفراد المشاركين في العمليَّة التعليميَّة من مُعلِّمين وقيادات إداريَّة في المدارس.

 

اكتشاف المواهب

أكّدت الدكتورة "ماجدة مصطفى" عميدة كلية التربية بجامعة حلوان السابقة أنّ مفهوم التنمية البشريَّة في المدارس يشمل كل الفئات البشريَّة داخل المدرسة بدءاً من إدارة المدرسة وتشمل المدرسين والإدارة المشرفة على المدرسة من خارج المدرسة وكلُّ أنواع البشر المتعاملين مع المدرسة من الإداريين والموجهين والمشرفين والمعاونين الفنيين وأيضاً العمالة والتلاميذ وأولياء الأمور.

كما أوضحت أنّ التنمية البشريَّة داخل المدارس ليست مادةً مستقلة يتم تدريسها للتلاميذ في الكتاب، إنّما هي موجودةٌ بالفعل في كل من يشارك في هذه العمليَّة التعليميَّة والمجتمع الخارجي لأنّه شريكٌ أساسيٌّ في تنمية مهارات وقدرات التلاميذ من خلال مشاركتهم مجتمعياً في الأنشطة الاجتماعيَّة والفنيَّة والرياضيَّة في المدرسة مشيرة إلى أنّ كل فئة ذات صلة وثيقة أو غير مباشرة للتعامل مع هؤلاء التلاميذ. وأوضحت أنّ العمليَّة التعليميَّة داخل المدرسة لا تقتصر على عمليَّة التعليم أو التربية فقط إنّما تعتمد أساسا على اكتشاف هذه المواهب داخل المدرسة وخارجها والقيام بتنمية هذه المواهب ورعايتها وتقديمها إلى الجّهات التي تصقلها وترعاها وتقدمها في مجالاتها سواءٌ الرياضيَّة أو الفنيَّة أو الأدبيَّة أو أي مجالٍ تظهر فيه موهبة التلميذ.

وأكَّدت أنّ عملية رعاية واكتشاف المواهب لا تحدث غالباً في المدارس نتيجةً لأنّ المُعلِّمين والإدارة لا يهتمون باكتشاف المواهب عن طريق التعامل معها بأسلوب اللامبالاة والتوبيخ والافتقار إلى الأساليب التي تساعد على تنمية هذه المواهب إنّما تساعد على تدميرها، مُشيرةً إلى ضرورة تفعيل دور الأخصائيين الاجتماعيين داخل المدرسة واستخدام أساليب علميَّة في اكتشاف المواهب والمساعدة على اكتشافها لأنّ هؤلاء التلاميذ هم المستقبل المشرق للمجتمع المصري حيث يقدمون أفكارهم الإبداعيَّة والأنشطة التي ترتقي بكافة المجالات.

 

تربية الضمير:

ومن ناحيته أضاف الدكتور "حسن شحاتة" أُستاذ المناهج في تربية عين شمس أنّ تنمية الموارد البشريَّة قيمةٌ مهمةٌ في التعليم ولابُدَّ من التدريب عليها منذ المرحلة الابتدائيَّة موضحاً أنّه لا يمكن فصل الموارد البشريَّة عن الأنشطة داخل المدارس ومن خلال جميع المواد الدراسيَّة وتدرس في شكل أنشطة مشيراً إلى ضرورة الاهتمام بالمفاهيم الآتية وهي حسن إدارة الآخر واستغلاله فيما يفيد الطلاب بالقراءة والأنشطة والتردُّد على المكتبات ومن خلال تقدير واحترام الانجازات التي تمت على أيدي مُفكِّرين وعلماء في الوطن.

أوضح "د. حسن" أنّ ضرورة قراءة السيرة الذاتيَّة لهؤلاء العلماء والمُفكِّرين حتى يستفيد منها التلاميذ في تحقيق أهدافهم المنشودة مُؤكِّداً على ضرورة الاهتمام بالأثاث الموجود داخل الصفوف والمباني والمعامل والمكاتب وخلق بيئة جميلة مبهجة ومبهرة في المدرسة من خلال تزيين الصفوف وتنسيق حديقة المدرسة وتنظيف دورات المياه والعناية بمدخل المدرسة و(طابور) الصباح.

قال "د. حسن" إنّه يجب الاهتمام بتربية الضمير من خلال ممارسة الأنشطة الفنيَّة والاجتماعيَّة والرياضيَّة داخل المدرسة في المرحلتين الابتدائيَّة والاعدادية محذراً من عدم ممارسة الأنشطة السياسيَّة داخل المدرسة ويجب ترسيخ مفاهيم الديمقراطيَّة والحريّة والعدالة الاجتماعيَّة مشيراً إلى أهميّة أن ننمّي داخل التلاميذ مشاعر جميلةً وبناءة.

 

حاجة ملحة

قال "أحمد محمد علي" أخصّائي الإعلام التربوي وعضو اللجنة الفرعية للمُعلِّمين في إدارة عابدين التعليميَّة إنّ المدارس المصرية في حاجةٍ مُلحّةٍ إلى تفعيل عمليَّة التنمية البشريَّة لتطوير منظومة العمل فيها. مُشيراً إلى أنّ كافة خطط التطوير التي تنظمها الوزارة هي خطط تنفذ على الورق فقط في مقدمتها الجودة في المدارس. علاوةً على أنّ الدورات التدريبيَّة التي يحصل عليها المدرّسون يتمُّ إسنادها إلى جمعيات أهليَّة لا تهتم سوى بإعطاء شهاداتٍ للمُتدرِّبين بغضِّ النّظر عن الفائدة العمليَّة التي يحصل عليها المُعلِّمون. علاوةً على أنّ توقيت حصول المدرسين على الدورات المختلفة تتمُّ في أثناء اليوم الدراسي وهو ما يؤدي إلى حرمان الطلاب من الاستفادة من شرح المُعلِّمين خلال اليوم الدراسي حيث إنّ بعض المُعلِّمين يحصلون على دوراتٍ تصل مدّتها إلى شهر في أثناء الفصل الدراسي وهو ما يؤثر بشكلٍ تلقائيٍّ على مستوى التحصيل لدى الطلاب.

داعياً الوزارة إلى إجراء دوراتٍ في التنمية البشريَّة للمُعلِّمين خاصّة من يتبوؤون مناصب داخل المدارس بهدف تدريبهم على قيادة العمليَّة التعليميَّة بشكلٍ إبداعيٍّ ومميّز علاوةً على إجراء تقويم دوريٍّ لمستواهم من حيث الأداء بشكلٍ دوري بهدف وجود تحفيزٍ دائمٍ لهم لتطوير مستواهم في الإدارة. كما دعا إلى ضرورة إعطاء النّقابات الفرعية للمُعلِّمين والنقابة العامة دوراً في تدريب المُعلِّمين وتقويمهم بدلاً من دورها الخدَمي الحالي. كما يحدث في كلّ النقابات.

 

تنمية القدرات

أكّد "كمال بشندي" مدير عام إدارة جنوب الجيزة التعليميَّة ضرورة تفعيل التنمية البشريَّة في المدارس لما لها من أهميةٍ قصوى في تنمية قدرات ومهارات الطلاب وتزويدهم بالمعارف الحياتيَّة لأنّ الموارد البشريَّة هي الأساس لنهضة أيّ أمةٍ لذلك كان لابدّ من وجود طاقات بشريَّة مؤهلة ومُدرِّبة وقادرة على التكيُّف والتعامل مع أيّ جديدٍ بكفاءةٍ وفاعليَّة.

وأضاف أنّ ذلك يجعل لدى المُتعلِّم ثقافةً واسعةً وعامّةً تساعده بعد ذلك على التخصُّص في مجالاتٍ عديدةٍ وتجعله يتعايشُ مع الآخرين ويتعلَّم ثقافة الحوار والنّقد البنَّاء وهذا ما يفتقد إليه الكثير من أبنائنا لتركيز المدرسة فقط على التّلقين دون تعويد المُتعلِّم التفكير وإعمال العقل مطالباً بتعاون كليات التربية في هذا الشّأن وتخصيص محاضرات للتلاميذ في التنمية البشريَّة وأهميتها ودورها الفعَّال في تنمية الأفراد والمجتمع.

أشار "محمود خطاب" مدير عام إدارة شمال الجيزة إلى أهمية تدريس التنمية البشريَّة في مدارسنا وربطها بالأنشطة التي تعمل على رفع مهارات الطلاب واكتشاف ميولهم منذ البداية موضحاً أهمية ذلك في تطوير التعليم في مدارسنا بل والعودة بالفائدة على المجتمع وعلى الارتقاء به.

أضاف إلى أنّ ذلك ينمِّي لدى التلميذ خاصةً منذُ الصّغر المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم الإيجابيَّة لذلك لابُدّ من تزويد الطلاب من خلال توفير الدورات التدريبيَّة وبرامج التعليم الفعَّالة وربطها بالمنهج الدراسي لتعويد المُتعلِّم التفكير السليم والابتكار وتكوين شخصيَّة مستقلة له كما أنّ من أهداف التنمية البشريَّة وإتاحة الفرصة لكل فرد في تنمية طاقاته من خلال المُؤسَّسات الثقافيَّة والتعليميَّة وإشاعة الحرية في المُؤسَّسات الثقافيَّة والتعليميَّة وترسيخ أسس الحوار الديمقراطي لتطوير العمل وتجديده.