أمّا تحصيل العلم عن طريق التّفكير فيحدث إذا غلب نور العقل، على أوصاف الحس وهنا يستغني المُتعلِّم بقليلٍ من التفكُّر عن كثرة التعلُّم وهذا النّوع من التعلُّم هو النّوع الإنسانيُّ على أنّ هناك نوعا آخر أعلى وأسمى هو التعلُّم الربّاني ويحدث هذا إذا ما استطاعت النّفس أن تزيل عنها دنس الطبيعة وتنفصل عن شهوات الدنيا.

يقول الغزالي في الرّسالة الدينيَّة "إنّ بعض الناس يحصلون العلوم بالتعلُّم وبعضهم بالتفكير". فتحصيل العلم بالتعلُّم يحدث إذا غلبت القوة البدنيَّة على النفس وفي هذه الحالة يحتاج المُتعلِّم إلى فترةٍ زمنيَّة طويلةٍ وإلى زيادةٍ في التعلُّم وإلى تحمُّل المشقّة والتّعب.

 أمّا تحصيل العلم عن طريق التّفكير فيحدث إذا غلب نور العقل، على أوصاف الحس وهنا يستغني المُتعلِّم بقليلٍ من التفكُّر عن كثرة التعلُّم وهذا النّوع من التعلُّم هو النّوع الإنسانيُّ على أنّ هناك نوعا آخر أعلى وأسمى هو التعلُّم الربّاني ويحدث هذا إذا ما استطاعت النّفس أن تزيل عنها دنس الطبيعة وتنفصل عن شهوات الدنيا.

 

المنهج والتوجيه التربوي عند الغزالي:

يعتقد الغزالي أنّ التعليم صناعة من أشرف الصناعات، مستشهداً في ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنّما بعثت مُعلِّما". ويرى أنّ الإنسان، أشرف مخلوقٍ على الأرض وأنّ أشرف ما في الإنسان قلبه ولأنّ المُعلِّم مشتغلٌ بتطهير القلب وتقريبه إلى الله فهي صناعة من أشرف الصناعات.

 

وفي ذلك يقول: أشرف موجودٍ على الأرض جنس الإنس وأشرف جزءٍ من جواهر الإنسان قلبه والمُعلِّم مشتغلٌ بتكميله وتجليله وتطهيره وسياقه إلى القرب من الله عز وجل. فيتعلَّم العلم من جهة عبادة الله تعالى ومن جهة خلافة الله تعالى ومن خلافة الله فإنّ الله قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخصّ صفاته، فهو كالخازن لأنفس خزائنه.

 

المنهج التربوي عند الغزالي

 قسّم الغزالي العلوم إلى ثلاث مجموعات:

  1. علومٌ مذمومٌ قليلها وكثيرها: وهذه العلوم لا يُرجى منها نفعٌ في الدنيا ولا في الآخرة كعلوم السّحر والتنجيم وكشف الطوالع وهذه العلوم تؤدي إلى الإضرار بدارسيها والمصدقين لها وقد يتشككون في الله بل قد يستخدمها دارسوها في الشر.
  2. علومٌ محمود قليلها وكثيرها: مثل العلوم الدينيَّة والعبادات وهذه تؤدي إلى تطهير النّفس والسموِّ بها عن الرذائل والشرور وتقرب الإنسان من ربه.
  3. علومٌ يحمد منها قدرٌ معين: يذمُّ التعمق فيها وهي التي تسبب في إرباك الناس وتشككهم وتؤدي إلى الإلحاد كالفلسفة.

 

تقسيم العلوم عند الغزالي

 قسّم الغزالي العلوم من حيث أهميتها إلى قسمين:

  1. العلوم المفروضة (فروض عين): التي يجب على كلِّ مسلمٍ معرفتها مثل علوم الدين، وعلى رأسها دراسة كتاب الله عز وجل.
  2. العلوم المفروضة (فروض كفاية): أي العلوم التي لا يستغنى عنها في تسيير أمور الدنيا، مثل علوم الحساب والطب وبعض الصناعات كالفلاحة والحياكة.

 وقد أفاض الغزالي في الجزء الأوّل من كتابه (إحياء علوم الدين) بتقسيماته المُتعدِّدة، للعلوم المختلفة، فتكلم عن العلوم الشرعيَّة والعلوم المحمودة كما قسم الفلسفـة إلى خمسة فروع وهي الرياضيات، العلوم المنطقيَّة، الإلهيات، الطبيعيات، والسياسات، الخلقيات.

 

هذا وقد قوم الغزالي العلوم وفق معايير واضحة يمكن بيانها كالاتي:

  • مدى منفعة العلوم للإنسان في حياته الدينيَّة، وفي دنيا الآخرة من حيث تطهير نفسه وتجميل خلقه وتقريبه من الله تعالى وإعداده لدنيا الخلود مثل القرآن الكريم والدين.
  • مدى منفعتها للإنسان من حيث ضرورياتها وخدمتها لعلوم الدين.
  • مدى منفعتها للإنسان في حياته الدنيا، مثل علم الطّب والحساب والصناعات المختلفة.
  • مدى منفعتها من حيث ثقافته واستمتاعه بالعلم وتدخلها في حياته الاجتماعيَّة مثل: الشّعر، السياسة، التاريخ، الأخلاق.

 

الاتجاهات الدينيَّة والواقعيَّة في منهج الغزالي

تتضح في منهج الغزالي نزعتان:

  • النّزعة الدينيَّة الصوفية التي تجعله يضع علوم الدين فوق كلّ اعتبار ويراها أداة لتطهير النفس وتنقيتها من صدأ الدنيويّات وهو بذلك يُؤكِّد الاهتمام بالتربية الدينيَّة.
  • النزعة الواقعيَّة التي تتضح في كتاباته على الرغم من تصوفه وزهده وبين أهمية العلوم بالنسبة إلى الإنسان سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة.

 

المنهج الذي اقترحه الغزالي لحسب أهمية العلوم:

  1. مجموعة القرآن الكريم وعلوم الدين كالفقه والسنة والتفسير.
  2. مجموعة اللغة والنحو ومخارج الحروف والألفاظ وهي علوم تخدم علوم الدين.
  3. فروض الكفاية وهي علوم الطّب والحساب والصناعات المختلفة بما فيها السياسة.
  4. العلوم الثقافيَّة كالشعر والتاريخ وبعض فروع الفلسفة وقد رتب الغزالي هذه العلوم بحسب أهميتها ونلاحظ اهتمامه بالعلوم الدينيَّة والخلقية كما اهتم بالعلوم الضروريَّة لحياة المجتمع كما أكد النواحي الثقافيَّة.

 

آداب المُعلِّم والمُتعلِّم

يرى الغزالي أنّ العمل في التعليم هو أعظم من هذا وذاك وذلك نظراً للمسؤولية التي تترتّب على المُعلِّم ولذا يضع المُعلِّم آداباً وشروطاً متلائمة مع تلك المسؤولية، كما بيّن لنا أنّ طالب العلم ليس هو ذلك الطفل الذي لا يعي ولا يُدرك ومن هنا ستجد أنّ آداب المُتعلِّم ووظائفه كما يراها الغزالي، تتناسب مع هذه النضرة إلى الطالب وللمُتعلِّم أيضاً الذي يفترض فيه العمل والنظر في آنٍ واحد.

 

آداب المُعلِّم وشروطه:

  • الشفقة على المُتعلِّمين، وألّا يدّخر في نصح المُتعلِّم شيئاً.
  • أن يكون تعليمهم بدون مقابل.
  • زجر المُتعلِّم عن سوء الخلق بطريقة التعريض بما أمكن.
  • ألّا يفرض على المُتعلِّم اتجاه المُعلِّم وميله، والتعامل مع المُتعلِّم بجلاء ووضوح.
  • أن يتعامل مع المُتعلِّم على قدر فهمه، وأن يكون المُعلِّم عاملاً بعلمه.
  • التعامل مع المُتعلِّم بجلاءٍ ووضوح.

والمُعلِّم عند "الغزالي" أيضاً هو المخوّل بإزالته للأخلاق السيئة واستبدالها بأخلاق حميدةٍ ليضع المُتعلِّم على طريق الخلاص المؤدية إلى الله سبحانه.

 

آداب المُتعلِّم وشروطه:

  • تقديم طهارة النفس على رذائل الأخلاق ومذموم الصفات.
  • التقليل ما أمكن من الانشغال بالدُّنيا، وألا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المُعلِّم.
  • على المبتدئ ألّا يخوض أو يصغي إلى اختلاف النّاس وألا يدع طالب العلم فنّاً من العلوم المحمودة ولا نوعاً من أنواعها إلا نظر فيه.
  • ألا يخوض في فنٍّ دفعةً واحدة ويراعي الترتيب ويبدأ بالأهم. وألّا يخوض في فنٍّ حتى يستوفي الفن الذي قبله.
  • أن يعرف السبب الذي به يدرك أشرف العلوم.
  • أن يكون قصد المُتعلِّم في الحال تحليه باطنه وتجميله بالفضيلة.
  • أن يعلم بنسبة العلوم إلى المقصد.

 

بعض الآداب عند الغزالي:

إنّ أكمل الأخلاق وأعلاها وأحسن الأفعال وأبهاها والأدب في الدين وما يقتدي به المؤمن من فعل ربّ العالمين وأخلاق الأنبياء والمرسلين وقد أدبنا الله تعالى في القرآن بما أرانا فيه، البيان وأدبنا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في السنّة الشريفة بما أوجب علينا فله المنّة وكذلك الصحابة عليهم رضوان الله وذلك جليلٌ خطره نذكر بعضه لئلّا يطول شرحه فيعسر فهمه.

 

آداب العالم والمُتعلِّم مع العالم ومُعلِّم الصبيان

آداب العالم:

لزوم العلم والعمل بالعلم ودوام الوقار ومنع التكبر وترك الدعوة إليه والرفق بالمُتعلِّم وتأنيب المتعجرف وإصلاح المسألة للبليد وترك الأنفة لقول لا أدري وتكون همته عن السؤال خلاصة من السائل والإخلاص السائل وترك التكلف والاستماع للحجة والقبول بها إن كانت من الخصم.

 

آداب المُتعلِّم مع العالم:

يبدأ بالسلام ويقبل بين يديه بالكلام ويقوم له إذا قام ولا يقول له، قال فلانٌ خلاف ما قلت ولا يسأل جليسه في مجلسه ولا يبتسم عند مخاطبته ولا يشير عليه بخلاف رأيه ولا يأخذ بثوبه إذا قام ولا يستفهم عن مسألة في طريقه حتى يبلغ إلى منزله ولا يكثر عليه عند ملله.

 

آداب مُعلِّم الصبيان:

يبدأ بإصلاح نفسه فإنّ أعينهم إليه ناظرة وآذانهم إليه مُصغية فما استحسنه فهو عندهم حسن وما استقبحه فهو عندهم قبيح ويلزم الصمت في جلسته ويكون معظم تأديبه بالرهبة.

ولا يكثر الضّرب والتعذيب ولا يُحادثهم فيجرؤ عليه ولا يدعهم يتحدَّثون فينبسطون بين يديه ولا يمازح بين أيديهم أحداً ويتنزه عمّا يعطونه ويتورّع عما بين يديه، يطرحونه ويعلّمهم الطهارة والصلاة ويعرفهم بما يلحقهم من نجاسة.

ولقد تبين للغزالي بعد طول تطواف في مختلف العلوم والأفكار أنّ هذه الأمة تحتاج إلى إصلاح جذري يعتمد على منهجٍ آخر غير المنهج الرّسمي الذي يختزن العلم والثقافة في فئات بعينها يتم تعليمهم أو تلقينهم ليتسلّموا بعد ذلك المناصب العامة أو الوظائف السلطانية.

ولذلك نرى الإمام الغزالي يُركِّز على الأهداف التي تؤدي إلى رفع المستوى الروحي والخلقي والفكري والاجتماعي والسياسي للفرد خاصّة وللمجتمع عامة، أي أنّه أراد إعادة صياغة منظومة القيم التربويَّة الكاملة لتتسق مع الغايات الكبرى التي حرص الإسلام كلّ الحرص على غرسها في قلوب معتنقيه، ومتابعة تعهدها بالإنماء والتطوُّر.

ولا نبعد كثيراً إذا قلنا أنّ فلسفة التربية عند الغزالي تُعَدُّ أكمل بناءٍ فلسفيٍّ في التربية الإسلاميَّة، وأنّ هذه الأهداف والغايات هي النواة الأولى لعلم النفس الإسلامي.

 

تلخيص:

يُعرَف الإمام الغزالي بتخصصه في علم من العلوم أو فنٍّ من الفنون، بل كان اسمه يتردَّد على رأس كل قائمة تضمُّ علماء الفقه أو الأصول أو الكلام أو التربية أو التصوف أو الفلسفة أو علم النفس، فهو مدرسة جامعة، ومرجعٌ كبير. غير أنّه لم ينل في علم الحديث والرواية ما ناله في بقيّة العلوم إذ تجد كتبه تضم الصّحيح والضّعيف بل والموضوع من الأحاديث دون توثيق أو تخريجٍ، وهذا ما دفعه في آخر أيامه إلى الاهتمام بهذا العلم ومحاولة التبحُّر فيه غيرَ أنّ المنية عاجلته قبل أن يتم ما بدأ.

 

والمتفحّص المُنصف في تراث هذا الإمام الكبير يجده مُتميِّزاً من غيره من علماء عصره، بل ومن جاء بعده في العصور المتأخرة، بميزةٍ رائعةٍ في تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، ألا وهي الفكرُ المنهجيُّ الدّقيق الذي تلمسه واضحاً جلياً في كتاباته باختلاف مواضيعها وفروعها.

 

وقد التزم الإمام الغزالي في منهجه هذا اليسر والسهولة وقرب المأخذ حتى ليستطيع القارئ العادي الذي لم يدرك التخصُّص أو التعمق أن يتذوّقه ويفهمه ويُلمّ به ويتفاعل معه، وربّما يعود السّبب في ذلك إلى أنّ هذا الإمام العظيم كان ِيمتلك أفكار النّاس ويجتذبها إليه ويبني على أساسها حججهُ المقنعة في ترتيب الدّلائل والمقدمات والنتائج، مُكوِّناً منها بعد ذلك أسلوباً رائقاً يتّسم بسلاسة العرض وسهولة البَيان. ولعلّ طول باعه، وثبات جذوره في ميادين العلم المختلفة يسّر له دعم آرائه وأفكاره أياً كانت بالحجة القاطعة والدليل المقنع والبرهان الساطع.